كيف تؤثر أخبار تفشي الأوبئة سلباً على عقولنا وطريقة تفكيرنا؟

من الخلف يظهر أن شابة ترتدي ملابس خاصة بلونين أخضر وأبيض تقوم بعملية تعقيم ملابس سيدة أخرى تقف أمامها وترتدي لباساً أبيض فوق قميصها الأصفر وتغطي كامل جسدها خوفاً من العدوى.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، قد يكون التركيز الإعلامي على الأوبئة من أسباب إصدار أحكام غير صحيحة على الأمور
    • Author, دايفيد روبسون
    • Role, بي بي سي فيوتشر
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

قد يصدر "الجهاز المناعي السلوكي" أحكاماً أخلاقية أكثر تشدداً، وقد يسهم في كراهية الأجانب.

والآن، عادت الأمراض والموت إلى تصدّر العناوين الرئيسية. فتفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية أصبح يفوق ما يمكن أن تستوعبه جهود الاستجابة له، بينما لا تزال المخاوف بشأن فيروس هانتا قائمة مع تسجيل إصابات جديدة مؤكدة بالعدوى.

لا يعتبر معظمنا عرضة لخطر مباشر لهذه الأمراض، وبالتالي لسنا بحاجة إلى اتخاذ إجراءات للوقاية من هذه العدوى – لكن هل يعني ذلك أننا بعيدون تماماً عن هذا الخطر؟ قد تكون الإجابة لا، إذ من الممكن أن تترك الأخبار عن هذه الأمراض أثراً عميقاً في أذهاننا.

وكما أوضحتُ لأول مرة لبي بي سي في أبريل/نيسان 2020، فإننا مزودون فطرياً بما يُعرف بـ "الجهاز المناعي السلوكي" الذي يمكن أن يشكّل حالتنا النفسية بمجرد الإيحاء بوجود مرض. فالتذكير بالعدوى قد يجعلنا أكثر ميلاً إلى الالتزام بالمعايير السائدة وأكثر تجنباً للمخاطر، وأقل انفتاحاً تجاه أولئك الذين يخالفون الأعراف الاجتماعية. وهناك حتى أدلة تشير إلى أنه قد يسهم في كراهية الأجانب.

يتضمن الجهاز المناعي في الجسم وسائل مذهلة لمواجهة العدوى بمجرد دخول أحد المسببات المرضية إلى أجسامنا – بدءً من الخلايا البلعمية التي تبتلع مسببات الأمراض، وصولاً إلى الخلايا البائية والخلايا التائية التي تنتج أجساماً مضادة متخصصة يمكن أن توفر لنا مناعة لاحقة. غير أن تعبئة هذا الجيش تتطلب قدراً هائلاً من الطاقة، مما يتركنا منهكين بعد زوال المرض.

لذلك طوّرنا مجموعة من الاستجابات النفسية — أطلق عليها الباحث في جامعة بريتيش كولومبيا مارك شالر اسم "الجهاز المناعي السلوكي" — من شأنها أن تقلل من تعرضنا لمسببات الأمراض في المقام الأول.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وتتمثل الآلية التي يعمل بها هذا الجهاز في الاشمئزاز؛ إذ نتجنب بطبيعتنا أي شيء يبدو أو تنبعث منه رائحة قد تعرّضنا لخطر الإصابة بالعدوى. وهذا هو السبب في شعورنا بالغثيان عندما نشم رائحة طعام متعفن.

إلى جانب هذه الاستجابة الغريزية، ينطوي الجهاز المناعي السلوكي على آليات أكثر دقة تضمن التزامنا بالأعراف الاجتماعية. وكان لهذا أهمية كبيرة، لأن الثقافات كانت عادةً تطوّر قواعد معينة — مثل إعداد الطعام وفق معايير النظافة الصحية أو التخلص من النفايات — للحد من انتشار الأمراض الشائعة. وفي أوقات تفشي الأمراض، كان من المهم بصورة خاصة أن يلتزم الناس بهذه الإجراءات.

نتيجة لذلك، فإن التذكير بالمرض يمكن أن يجعلنا أكثر ميلاً إلى الامتثال للأعراف والقواعد والممارسات الشائعة في المجتمع.

يبدو هذا صحيحاً ولو من الناحية النظرية على الأقل، وتدعم ذلك مجموعة من الدراسات. ففي إحدى التجارب، طلب شالر من الطلاب المشاركين التصويت على مقترح لتغيير نظام التقييم في المدرسة. واكتشف أنهم كانوا أكثر ميلاً بكثير للتصويت بما يتوافق مع آراء الطلاب الآخرين — وهو مؤشر على الامتثال للشائع في المجتمع — إذا كانوا قد استعادوا للتو ذكرى فترة عانوا فيها من المرض.

رجل يبدو أنه شرطي يرتدي ملابس سوداء يقف أمام حافلة حمراء اللون وفيها عدد من الأشخاص واحد منهم يظهر وجهه وعليه كمامة.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، قد يتطور لدينا ميل إلى التقليل من التواصل مع الآخرين في أوقات انتشار الأوبئة

وفي الوقت نفسه، طلب علماء من جامعة هونغ كونغ من المشاركين تقييم بعض الأعمال الفنية الحديثة، مع اطلاعهم على كيفية تقييم مشاهدين آخرين لها. ومرة أخرى، أدى التذكير بالعدوى قبل ذلك مباشرة — وهذه المرة من خلال صور صادمة لجروح مفتوحة ويرقات متلوية — إلى تشجيعهم على مسايرة الآخرين بدلاً من التوصل إلى استنتاجاتهم الخاصة. أما المشاركون الذين شاهدوا صوراً لحوادث سيارات أو قطارات — وهي أحداث مؤلمة لا تنطوي على خطر العدوى — فلم يُظهروا المستوى نفسه من الامتثال للرأي الشائع.

وأظهرت دراسات أُجريت في وقتٍ لاحقٍ أننا نكون أكثر قسوة في أحكامنا الأخلاقية بعد التذكير بالمرض. فعلى سبيل المثال، كان المشاركون في أحد الاستطلاعات أكثر ميلاً إلى الحكم بقسوة على زوجين لممارستهما الجنس على سرير جدة الرجل. من منظور الجهاز المناعي السلوكي، فإن هذا الميل إلى مراقبة سلوك الآخرين كان من شأنه أن يساعد في ضمان اتخاذ المجموعة، ككل، الاحتياطات اللازمة لاحتواء تفشي المرض.

ولمنع انتشار الأمراض بين المجموعات، يمكن لخوفنا من التلوث أن يقلل أيضاً من ثقتنا بالغرباء. واستناداً إلى سلسلة من الدراسات أُجريت في الولايات المتحدة وأوروبا، تشير لينه آروه، من جامعة آرهوس في الدنمارك، وزملاؤها إلى أننا "نصنّف المهاجرين لاشعورياً على أنهم حملة لمسببات الأمراض" — وتضمنت النتائج التي توصلوا إليها أن ذلك قد يكون له تأثير حقيقي في الآراء السياسية للناس عندما يكون جهازهم المناعي السلوكي في حالة نشطة.

سيكولوجية الجائحة

أفراد يرتدون ملابس معقمة بيضاء تغطيهم بالكامل، وأمام أحدهم شخص يظهر من الخلف يبدو كبيراً في السن ويجري عملية فحص.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، كشفت دراسة إيطالية أن هناك علاقة قوية بين مخاوف الناس من الأوبئة وعدم ثقتهم في بعض الأقليات

إذا صحت نظرية الجهاز المناعي السلوكي، فمن المتوقع ملاحظة تحولات هامة في المواقف الاجتماعية للناس أثناء تفشي الأمراض في العالم الحقيقي، مثل جائحة كوفيد19، إذ أشارت دراسة سابقة إلى حدوث تغيرات في "الثقة الاجتماعية، والحذر في التعامل بين الأشخاص، وكراهية الأجانب، واليقظة الأخلاقية، والأيديولوجيا السياسية" في أوقات الانتشار واسع النطاق للجائحة.

وبإلقاء نظرة على نتائج استطلاع رأي أُجري بمشاركة 685 شخصاً من إيطاليا في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2020، اكتشفت جوليا فوكي، من جامعة بادوفا في إيطاليا، وزملاؤها في الفريق البحثي ارتباطاً ملحوظاً بين مخاوف الناس من الفيروس ونظرتهم إلى مختلف الأقليات، بما في ذلك المهاجرون والبالغون الذين يتعاطون المخدرات والأجانب، إذ عبّروا عن شعور أضعف بالهوية والمصير المشتركين.

مع ذلك، لا تظهر نتائج هذه الدراسات الميدانية نفس النتائج طوال الوقت، وهو ما لا يُعد مفاجأة على الإطلاق. فعلى عكس التجارب المعملية التي تُجرى في بيئة منضبطة، غالباً ما تكون الدراسات التي تحاول الاستجابة للأحداث الإخبارية معقدة ومليئة بالعوامل المتداخلة، ولا يمكنها أن تأخذ في الحسبان بصورة كاملة قضايا عديدة ربما تؤثر في الآراء السياسية للناس في الوقت نفسه.

والحقيقة هي أن سلوكنا يعتمد على مجموعة كبيرة من العوامل المختلفة، والتي تتضمن تعليمنا، والمهنة التي نمارسها، وأسرنا، وأصدقاءنا، وشخصيتنا، وعدد لا يُحصى من الخبرات الشخصية التي تُسهم في تشكيل شخصياتنا الأوسع ونظرتنا إلى العالم. هذا فضلاً عن التقلبات العابرة في حالتنا المزاجية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه التأثيرات قد تختلف من شخص إلى آخر. فبعض الناس بطبيعتهم يشعرون بالخوف من الأمراض أكثر من غيرهم، وهو ما يعني أنهم يصدرون استجابات أكثر حدة للمؤشرات المرتبطة بالعدوى بينما يكون آخرون أقل تأثراً بها.

لذلك، في المرة المقبلة التي نقرأ فيها عن تفشٍ جديدٍ لأحد الأمراض، يجدر بنا أن نفكر في الكيفية التي قد يجعل بها الجهاز المناعي السلوكي أحكامنا على من يخالفون القواعد والغرباء أكثر تشدداً — لكنه من غير المرجح أن يكون العامل الحاسم النهائي في قراراتنا.