منتخب أفغانستان النسوي يجتمع من جديد على بُعد 8 آلاف ميل بعد حظر كرة القدم في البلاد

خمس نساء يرتدين زي كرة قدم أحمر يقفن في صف واحد، المرأة التي في المنتصف ترفع ذراعيها فوق رأسها وتشكل يداها شكل قلب.

صدر الصورة، Phil Walter/Getty Images

التعليق على الصورة، اجتمع فريق كرة القدم النسائي الأفغاني لأول مرة منذ أن سمح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لهن بتمثيل بلادهن في المباريات الرسمية
    • Author, محجوبة نوروزي
    • Role, بي بي سي نيوز - الأفغانية
    • Reporting from, Auckland, New Zealand
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

تعج غرفة تبديل الملابس بلاعبات كرة القدم المنشغلات بطقوسهن المعتادة قبل المباراة؛ فبعضهن يمارسن تمارين الإطالة ويُحكمن ربط أحذيتهن، فيما تتعانق أخريات.

وتقول لاعبة خط الوسط فاطمة حيدري لزميلاتها في فريق "أفغان وومن يونايتد": "كن قويات كما عهدناكن دائماً، لأننا نمثل النساء الأفغانيات".

ويضج المكان بالتصفيق داخل الغرفة التي يتدلى فيها علم أفغانستان، بينما تُعزف أغنية وطنية، ومع مشاركة اللاعبات في الغناء، تكافح بعضهن لحبس دموعهن.

ثم تجتمع اللاعبات في حلقة أخيرة، ويتلقين كلمات تشجيعية من مدربهن قبل التوجه إلى الملعب، وهو المكان الذي قيل لهن طوال سنوات إنهن لا ينتمين إليه.

وسافرت التشكيلة المؤلفة من 23 لاعبة، اختيرت من بين أفغانيات يعشن حالياً خارج البلاد، إلى نيوزيلندا للمشاركة في معسكر تدريبي وخوض مباراتين وديتين غير رسميتين أمام منتخب جزر كوك.

وهذه هي المرة الأولى التي تجتمع فيها اللاعبات منذ أن قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، في أبريل/نيسان، السماح لهن بتمثيل بلادهن في المباريات الرسمية مستقبلاً.

تتجمع حوالي عشرين امرأة في دائرة داخل غرفة تبديل الملابس، متشابكات الأذرع. ترتدي بعضهن قمصان كرة قدم حمراء، بينما ترتدي أخريات صدريات بيضاء فوق ملابسهن الرياضية كُتب عليها كلمة "فيفا" باللون الأزرق الداكن. توجد طاولة في وسط الدائرة عليها بعض الزجاجات وبعض الفاكهة.

صدر الصورة، Afghan Women United

التعليق على الصورة، يأمل الفريق أن يتأهل في المستقبل للمشاركة في المسابقات الدولية، مثل كأس العالم والألعاب الأولمبية.

كانت اللاعبات في السابق بحاجة إلى موافقة الاتحاد الأفغاني لكرة القدم، وهو ما لم يكن ممكناً في ظل حكم طالبان التي عادت إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، وفرضت قيوداً واسعة على النساء والفتيات، من بينها حرمانهن من التعليم الثانوي والجامعي، ومعظم المهن والرياضات المنظمة.

ولم يعد منتخب السيدات، الذي تأسس عام 2007، قادراً على اللعب، وكانت لاعباته من بين الذين أُجلوا من أفغانستان وأُعيد توطينهم في دول بينها أستراليا وبريطانيا والبرتغال.

بعد سنوات من الحملات، شُكّل فريق للاجئات أصبح يُعرف باسم "أفغان وومن يونايتد"، وبفضل قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، بات بإمكانه الآن السعي للتأهل إلى بطولات دولية، مثل الألعاب الأولمبية وكأس العالم.

وتشعر اللاعبات، المجتمعات في نيوزيلندا، بالحماسة للعب معاً، لكن بصفتهن طالبات لجوء يعشن في دول مختلفة، حيث واجهن خلال السنوات الخمس الماضية صعوبة في الحصول على وثائق السفر اللازمة للتدرب كفريق واحد.

في أحد فنادق أوكلاند قبل المباراة بيوم، جلست مانوج نوري بشعرها القصير، مرتديةً قميصاً وسروالاً قصيراً يصل إلى الركبتين، وهي إطلالة تقول إنها عرضتها مراراً لانتقادات أقاربها بدعوى أنها تبدو ذكورية أكثر من اللازم.

وبينما كانت اللاعبة البالغة 23 عاماً تتحدث إلى برنامج "بي بي سي غلوبال وومن" عن عائلتها، بدأ صوتها يرتجف، توقفت والتقطت نفساً عميقاً، ثم أشاحت بنظرها للحظة قبل أن تواصل حديثها، لم تذرف دموعاً، لكن تأثرها كان واضحاً.

مانوز نوري تقف على حافة الملعب وتنظر إلى الكاميرا، شعرها قصير داكن اللون ومربوط للخلف، وترتدي سترة وردية زاهية فوق زيها الأحمر لكرة القدم. في الخلفية، تظهر بعض حقائب المعدات، وعدد قليل من اللاعبين الآخرين، وامرأتان تجلسان في مظلة. السماء ملبدة بالغيوم.
التعليق على الصورة، قامت مانوز نوري بدفن ميدالياتها في حديقتها قبل مغادرتها أفغانستان
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

تعيش نوري حالياً في أستراليا، لكنها نشأت وهي تلعب كرة القدم مع الصبية في شوارع كابول.

وبعد أن شاهدت كرة القدم النسائية على شاشة التلفزيون، انضمت سراً إلى أندية محلية، وتدرجت تدريجياً في صفوف اللعبة داخل أفغانستان.

وكانت تعلم أن شقيقها الأكبر سيرفض ذلك، لذا حاولت تقليل احتمال التعرف إليها بارتداء غطاء للوجه.

وخلال ست سنوات، فازت بألقاب في الدوري وبطولات وطنية وجوائز فردية.

لكن نجاحها أصبح في نهاية المطاف مستحيلاً إخفاؤه.

وفي نحو عام 2018، أقنعتها زميلاتها بخلع غطاء وجهها لإجراء مقابلة تلفزيونية، عُرضت في نشرة الأخبار إلى جانب لقطات من مباراتهن.

وعندها اضطرت إلى مواجهة احتمال أن يشاهد شقيقها المقابلة، وتتذكر قائلة: "كنت خائفة جداً. ظللت أفكر: سيراني، وسيعرف".

وفي محاولة يائسة لمنع عائلتها من مشاهدة الأخبار، قطعت الكهرباء، لكن النبأ سرعان ما وصل إلى شقيقها الذي استشاط غضباً، بحسب قولها.

وتقول نوري: "كان يصرخ قائلاً: أخبرتنا أنك تدرسين، وقلت إنك تريدين أن تصبحي معلمة أو طبيبة. ما هذا؟".

وتضيف أنه هدد بقطع علاقته بالعائلة إذا لم تتوقف عن لعب كرة القدم، وتتابع: "كانت والدتي تبكي، وقالت لي: إنه الشخص الذي يعيلنا مالياً، فكيف سنتمكن من البقاء؟".

مانوز نوري ترتدي كمامة لإخفاء هويتها أثناء لعبها مباراة في أفغانستان

صدر الصورة، Manozh Noori

التعليق على الصورة، اعتادت نوري (باللون الأزرق) ارتداء قناع للوجه لإخفاء هويتها أثناء اللعب في أفغانستان

توقفت نوري عن اللعب لفترة، لكنها عادت إليه في نهاية المطاف، وتقول إن شقيقها الآخر، الذي يعيش في ألمانيا، أرسل إليها المال للمساعدة في تمويل حلمها.

وعندما سيطرت طالبان على السلطة عام 2021، قررت نوري الفرار، لكنها دفنت أولاً ميدالياتها وكؤوسها في حديقة منزل عائلتها.

وبعد أكثر من أربع سنوات، لا تزال تلك الجوائز مدفونة هناك.

وتقول، مبتسمة للحظة عند تخيل ذلك: "سأعود يوماً ما وأستخرجها".

وتضيف: "ساعدتني كرة القدم على إخراج والدتي وشقيقتي من أفغانستان"، فبعد عامين من انتقالها إلى أستراليا وترسيخ مكانتها لاعبةً لكرة القدم، تمكنت من إحضارهما للعيش معها.

وأتاح ذلك لشقيقتها استئناف دراستها على الرغم من أن شقيقها لم يكن يريد لهن ممارسة الرياضة، فإنه كان يدعم تعليمهن دائماً.

وتقول نوري: "آمل أن يدرك شقيقي الآن أنني لست شخصاً سيئاً".

وبينما تستعد نوري وزميلاتها لخوض المباراتين في أوكلاند، تصف كثيرات منهن كرة القدم بأنها السبب الذي مكنهن من النجاة خلال إحدى أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ بلادهن الحديث.

وتقول مرسال سادات، التي تعيش أيضاً في أستراليا: "لو لم أكن لاعبة كرة قدم، لبقيت في أفغانستان، واحدة من ملايين الفتيات اللواتي لا يُسمح لهن بالدراسة أو التعبير عن آرائهن أو اختيار مستقبلهن".

وتعمل سادات، البالغة من العمر 24 عاماً، مدربةً لكرة القدم وميسرةً للشباب ومدافعة عن اللاجئين وحقوق المرأة وحقوق الإنسان.

لاعبات منتخب أفغانستان للسيدات
التعليق على الصورة، كانت مرسال سادات (الراكعة إلى اليمين) تبلغ من العمر 19 عاماً عندما عادت حركة طالبان إلى السلطة - وكانت من بين الذين تم إجلاؤهم من كابول في أغسطس 2021

وتقول إنها كانت تتعرض في أفغانستان للأحكام المسبقة والمضايقات، وكان يُقال لها مراراً إنه لن يرغب أحد في الزواج من امرأة تمارس الرياضة.

أما اليوم، فهي مخطوبة لرجل لا يزال يعيش في أفغانستان، وتقول إنه وعائلته يدعمون عملها ومكانها في المنتخب الوطني، وتضيف: "يقولون لي: أنتِ مصدر فخر لعائلتنا، ونحن محظوظون جداً بوجودك".

وعندما خرجت اللاعبات تحت أمطار أوكلاند الغزيرة لمواجهة منتخب جزر كوك، أظهرن طاقتهن وتصميمهن من دون أن يكترثن بالطقس؛ فقد واجهن ظروفاً أشد قسوة في وطنهن.

وفي سنوات مراهقتها، كانت المدافعة نجمة عارفي تتدرب في درجات حرارة تتجاوز 45 درجة مئوية، لأن الفتيات كُن غالباً يحصلن على مواعيد التدريب الأقل ملاءمة.

ومع ذلك، واصلت عارفي مسيرتها.

وأسهمت جهود اللاعبة، البالغة من العمر 22 عاماً، في فوز فريق من مدينة هرات ببطولة وطنية.

وتقول إن ذلك الانتصار غير المواقف تجاه رياضة النساء في المدينة.

وتتذكر قائلة: "انتشرت صورنا على اللوحات الإعلانية في أنحاء هرات، كان الناس فخورين بنا، وبدأت عائلات أكثر تسمح لبناتها بلعب كرة القدم".

وتعيش عارفي حالياً في مدينة دونكاستر بشمال إنجلترا، بعدما وصلت إلى بريطانيا عقب سيطرة طالبان على الحكم.

وتصف نفسها بأنها شخصية اجتماعية ومنفتحة، وتقول إن الفرص المتاحة لها اليوم لم تكن لتتخيلها خلال نشأتها في أفغانستان.

لقطة لامرأة تستعد لركل كرة قدم. ترتدي قميصا أحمر عليه الرقم 14 باللون الأبيض، وشورتا أسود، وجوارب حمراء، وحذاءً أبيض. شعرها الطويل الداكن مربوط على شكل ذيل حصان.

صدر الصورة، Phil Walter/Getty Images

التعليق على الصورة، انتقلت نجمة عارفي، التي تظهر صورتها خلال إحدى المباريات ضد جزر كوك، إلى المملكة المتحدة بعد عودة طالبان إلى السلطة.

وتدرس عارفي العدالة الجنائية في الكلية، وتمارس كرة القدم وتتخذ قراراتها بصورة مستقلة، وتقول: "امتلاك هذه الحرية أمر مذهل".

لكنها تقر بأنها كثيراً ما تشعر بالذنب والحزن الشديد بسبب حرمان النساء في وطنها من تلك الحريات.

وتضيف: "لا تحظى ملايين الفتيات بفرصة الدراسة أو تحقيق أحلامهن، لذلك أشعر بأن عليّ الاستفادة إلى أقصى حد من كل فرصة متاحة".

وتقول والدموع تنهمر على وجهها: "أحياناً أضع نفسي تحت ضغط كبير".

وتشكر عارفي خالدة بوبال، مؤسسة المنتخب الأفغاني للسيدات، على جهودها لإقناع الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بالاعتراف بالفريق بعد انتقال لاعباته إلى المنفى، وتقول إن الحصول على اعتراف فيفا "من دون موافقة طالبان" يُعد إنجازاً تاريخياً.

وتضيف أن هذا الوضع الرسمي "أمر سأظل فخورة به دائماً".

وعندما سألت بي بي سي أحمد الله واثق، مدير الرياضة لدى طالبان، عن دعم فيفا للمنتخب النسائي، امتنع عن التعليق، لكنه قال إنه يرغب في أن يزور الاتحاد الدولي البلاد ويستأنف دعمه لكرة القدم فيها بصفة عامة، بعدما سحب معظم دعمه عقب وصول طالبان إلى السلطة.

وكان فيفا قد قال سابقاً إن استئناف الدعم مشروط بالسماح للنساء بممارسة اللعبة.

لكن المباراة في أوكلاند لم تكن سهلة؛ إذ منح هدف وحيد منتخب جزر كوك الفوز في المباراة الأولى بنتيجة 1-صفر، وبعد ثلاثة أيام، وعلى الرغم من جهود المنتخب الأفغاني، فازت جزر كوك مجدداً بنتيجة 3-صفر.

ومع ذلك، مثلت المباراتان للاعبات ما هو أهم بكثير من هزيمتين؛ فقد كانتا عودةً إلى الملعب ودليلاً على أن لاعبات كرة القدم الأفغانيات رفضن الاختفاء، رغم المنفى والابتعاد عن عائلاتهن وسنوات من الغموض.