لماذا أستيقظ باستمرار في الساعة الثالثة صباحاً؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, أونكار كارامبيلكار
- Role, بي بي سي نيوز ماراثي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
هل سبق أن استيقظت فجأة في منتصف الليل، ثم واجهت صعوبة في العودة إلى النوم؟
تنتشر على الإنترنت تفسيرات مختلفة للاستيقاظ عند الثانية أو الثالثة فجراً، منها التوتر، أو الهرمونات، أو دوافع روحية، أو حتى مشكلات صحية خطيرة.
لكن، رغم شيوع هذا الموضوع، يؤكد مختصون في طب النوم أن الاستيقاظ في منتصف الليل ليس أمراً غير طبيعي.
تقول ستيفاني روميشيفسكي، اختصاصية فسيولوجيا النوم ومديرة عيادة "سليبيهيد" في المملكة المتحدة: "تعلّمنا أننا بحاجة إلى فترة نوم متواصلة دون انقطاع، لكن ما نعرفه في طب النوم هو أن الاستيقاظ أثناء الليل أمر شائع جداً".
ويحدث النوم في دورات متكررة تستغرق كل منها نحو 90 دقيقة، ينتقل خلالها الجسم بين النوم الخفيف والعميق. ويقول باحثون في مجال النوم إن البالغين الأصحاء يستيقظون عادةً من مرتين إلى أربع مرات خلال الليل.
وفي معظم الحالات، لا تستمر هذه الاستيقاظات سوى بضع ثوانٍ، ولا يتذكر كثير من الناس أنهم استيقظوا أصلاً.
وخلال النصف الأول من الليل يهيمن النوم العميق، بينما يصبح النوم أخف مع اقتراب الصباح، ما يجعل حتى الاضطرابات البسيطة كافية لإيقاظ الشخص.
ولهذا السبب يلاحظ كثيرون أنهم يستيقظون في الساعات الأولى من الصباح، لأن هذه الاستيقاظات تتزامن مع مرحلة يكون فيها النوم أخف.
ويقول الدكتور ريشاب فيرما، الطبيب النفسي في عيادة "آر في مايند" بمدينة مومباي الهندية: "إذا كنت تنام عادةً في العاشرة أو الحادية عشرة مساءً، فإن الفترة بين الثانية والثالثة فجراً تصبح نقطة مهمة لجسمك، لأن معظم مراحل النوم العميق تكون قد اكتملت بحلول ذلك الوقت".
ويؤكد الخبراء أن المشكلة تبدأ عندما يستيقظ الشخص بشكل كامل، ويبدأ عقله في الانشغال بأفكار مثل أنه لن يتمكن من العودة إلى النوم.
لماذا لا يستطيع بعض الناس العودة إلى النوم؟

صدر الصورة، Getty Images
في الجزء الأخير من الليل، يبدأ الجسم تدريجياً في الاستعداد لليوم التالي.
وخلال هذه الفترة، تبدأ مستويات الكورتيزول - وهو الهرمون الذي يساعد على تعزيز اليقظة - في الارتفاع تدريجياً.
وفي الظروف الطبيعية، لا يلاحظ الإنسان هذا التغير. لكن عندما يبدأ الدماغ في ربط الاستيقاظ بالشعور بالقلق، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى الكورتيزول، ما يجعل العودة إلى النوم أكثر صعوبة.
وتقول ستيفاني روميشيفسكي: "بمجرد أن تدرك أنك مستيقظ، تبدأ سلسلة من التفاعلات. فجأة يصبح لديك ارتباط ذهني بين الاستيقاظ وكونه أمراً غير إيجابي، ثم تبدأ بمحاولة العودة إلى النوم".
وتضيف: "كلما مارست ضغطاً أكبر على نفسك للنوم، وكلما ركزت انتباهك عليه، زادت احتمالية ابتعاد النوم عنك".
ومع ذلك، إذا كان الشخص يعيش في حالة مستمرة من التوتر والقلق، فقد تكون مستويات الكورتيزول لديه مرتفعة بالفعل. وفي هذه الحالة، يمكن للارتفاع الطبيعي في هذا الهرمون خلال الساعات الأخيرة من الليل أن يعمل كإشارة "للتيقظ"، ما يؤدي إلى اضطراب النوم.

صدر الصورة، Getty Images
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
الكثير من الناس تراودهم أفكار غير منطقية في الساعات الأولى من الصباح، ويفسر الخبراء ذلك بالقول إن مراكز المشاعر في الدماغ تكون أكثر نشاطاً خلال مرحلة النوم الخفيف، بينما تكون مناطق التفكير المنطقي وحل المشكلات ذات المستوى الأعلى أقل نشاطاً نسبياً.
وتقول روميشيفسكي: "ولهذا غالباً ما يُقال، وبخاصة لدى الآباء الذين يعانون من الحرمان من النوم: لا تصغوا إلى أي شيء يقوله أي منكما بين منتصف الليل والسادسة صباحاً، لأن الأمور ستكون جنونية".
كما أن أسباباً طبية، مثل انقطاع النفس أثناء النوم، ومتلازمة تململ الساقين، واضطرابات الغدة الدرقية، قد تجعل العودة إلى النوم أمراً صعباً.
ويمكن لعادات أخرى في نمط الحياة أن تزيد المشكلة سوءاً. فتناول وجبات عشاء ثقيلة، أو الإفراط في تناول السكر والكافيين في وقت متأخر من اليوم، قد يتداخل أيضاً مع إشارات النوم الطبيعية التي يرسلها الجسم.
ويُعد شرب الكحول مشكلة خاصة.
ويقول الدكتور براشانت ماخيجا، استشاري طب الأعصاب في مستشفيات ووكهارت بمدينة مومباي في الهند: "قد يساعدك الكحول على النوم بسرعة، لكنه خلال الساعات الثلاث أو الأربع التالية، وبينما يعالجه الكبد، يبدأ في العمل كمنبّه، ما يؤدي إلى تقطع النوم، وبخاصّة عندما يكون من المفترض أن تدخل في مراحل النوم الصباحية الأخف".
لماذا تعاني النساء من اضطرابات النوم أكثر من غيرهن؟

صدر الصورة، Getty Images
قد تكون النساء أيضاً أكثر عرضة لاضطرابات النوم، إذ تشير أبحاث إلى أنهن يعانين من حالات استيقاظ أثناء الليل أكثر من الرجال.
وعلى الرغم من أن النساء يقضين وقتاً أطول قليلاً في النوم العميق مقارنة بالرجال، فإن الدراسات تُظهر أنهن أكثر عرضة للإصابة باضطرابات النوم.
وتُعد التغيرات الهرمونية المرتبطة بالدورة الشهرية والحمل وانقطاع الطمث، من أسباب ذلك.
لكن روميشيفسكي تقول إن الضغوط الاجتماعية التي لا تحظى بالاهتمام الكافي يمكن أن تكون وحدها سبباً في اضطراب نوم النساء.
وتشرح: "لدينا نساء أصبحن الآن المعيلات للأسرة مالياً، ومع ذلك ما زلن المسؤولات الافتراضيات عن رعاية الأطفال، وما زلن مقدمات الرعاية الأساسيات... وما زلن يحاولن تحمّل تلك الأعباء غير المرئية".
وتقول إن كثيراً من النساء يعانين أيضاً من ظاهرة "تأجيل وقت النوم"، حيث يؤخرن الذهاب إلى النوم لأن المساء هو الفرصة الوحيدة المتاحة لهن للاسترخاء والاستمتاع بوقتهن بعد العمل ومسؤوليات الرعاية.
وتضيف: "المشكلة التي أواجهها كطبيبة متخصصة في طب النوم هي أن النساء لا يملكن الوقت للقيام بما أطلبه منهن".
العودة إلى النوم
يقول الخبراء إن الهدف لا ينبغي أن يكون منع الاستيقاظ تماماً أثناء الليل، بل تعزيز عادات نوم صحية تجعل هذه الاستيقاظات أقل حضوراً في الذاكرة، وتسهّل العودة إلى النوم بشكل طبيعي.
ويشير الخبراء إلى أن العادات الصحية الأفضل لا تبدأ من روتين وقت النوم، بل من الصباح.
فالاستيقاظ في وقت ثابت كل يوم، والتعرض للضوء الساطع فور الاستيقاظ، وتحريك الجسم، كلها أمور تساعد على تعزيز الساعة الداخلية للجسم وبناء حاجة أقوى إلى النوم ليلاً.
كما يُنصح بالذهاب إلى السرير فقط عندما تشعر بالتعب والنعاس.
وتشرح روميشيفسكي: "عندما تحدد وقتاً للنوم وتذهب إلى السرير وأنت لست نعسان، فإنك تتوقع من دماغك أن يهدأ، لكنه سيفعل العكس تماماً. سيبدأ في العمل بنشاط أكبر لأنه ليس مستعداً للنوم، ولأنك أزلت كل المحفزات من حولك".
ويُنصح بتجنب التركيز على الساعة أو الإمساك بالهاتف عند الاستيقاظ، لأن ذلك قد يزيد القلق بشأن مقدار النوم المتبقي.
وإذا بقيت مستيقظًا لمدة 20 دقيقة، فقد يساعدك الانتقال إلى غرفة أخرى والقيام بشيء في إضاءة خافتة. ولا تعد إلى السرير إلا عندما تشعر بالنعاس مجدداً.
وإذا أصبح الاستيقاظ في منتصف الليل متكرراً، أو استمر لفترات طويلة، أو بدأ يؤثر على المزاج أو العمل أو الحياة اليومية، فقد يكون من المناسب طلب مساعدة متخصصة.
لكن الخبراء ينصحون بأن أكبر تغيير يمكن للناس القيام به هو التوقف عن توقع أن يكون النوم مثالياً دائماً، بل السماح له بالتكيف مع الظروف.
وتقول روميشيفسكي: "من خلال محاولة تحسين النوم إلى درجة الكمال، فإننا في الواقع نمنعه من أداء وظيفته بالطريقة التي يحتاج إليها عندما نمرض، أو عندما يحدث تغيير في التوقيت، أو عندما نمر بالحمل أو انقطاع الطمث، أو عندما تحدث تغيرات هرمونية".
وتضيف: "لكننا نشعر بخوف شديد منه، لدرجة أننا نحاول تحويله إلى أداء يجب إتقانه".































