لماذا يميل برج بيزا ومبانٍ أخرى من دون أن تسقط؟

امرأة شقراء ترتدي قميصاً أرجوانياً وقبعة شمسية، تتخذ وضعية لالتقاط صورة أمام برج بيزا المائل، بحيث يبدو كأنها تسنده.

صدر الصورة، Sol de Zuasnabar Brebbia via Getty Images

    • Author, دايزي ستيفنز
    • Role, خدمة بي بي سي العالمية
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

برج بيزا المائل أحد أشهر المعالم في إيطاليا، لكنه ليس البناء الوحيد الذي يميل إلى أحد الجانبين. فمن "المنازل الراقصة" في هولندا إلى معبد "تايغر هيل" في الصين، تنتشر المعالم المائلة في أنحاء مختلفة من العالم.

لكن لماذا تميل هذه المباني؟ ولماذا لا يعني ذلك بالضرورة أنها ستسقط؟

لماذا تميل بعض المباني؟

وفقاً للدكتورة ماندي كورف، الأستاذة المشاركة في الممارسات الجيوتقنية في جامعة دلفت للتكنولوجيا ومعهد "دلتايرس" في هولندا، هناك عدة أسباب تجعل المباني تميل إلى أحد الجانبين.

في بعض الحالات، مثل "المنازل الراقصة" الشهيرة في هولندا، يعود ذلك إلى نوع الأساسات المستخدمة.

صفّ من المنازل الملوّنة على واجهة القناة في أمستردام، تبدو مائلة وكأنها تتكئ على بعضها بعضاً.

صدر الصورة، Karl Hendon via Getty Images

التعليق على الصورة، بُنيت "المنازل الراقصة" في أمستردام على ركائز خشبية، ما يمنحها مظهراً مائلاً.

تقول كورف: "في وسط مدينة أمستردام، بُنيت معظم المنازل على ركائز خشبية".

وتوضح أن هذه الركائز تُثبَّت على شكل أزواج تحت جدران المباني وواجهاتها.

وتمتد هذه الركائز إلى عمق 12 متراً في التربة، التي تتكون من الطين الطري أو الخث أو الرمل.

وتقول: "إذا كانت بهذه الحالة وبقيت الركائز سليمة، فلن يحدث شيء للمنازل".

لكنها تقول إنه إذا بدأت هذه الركائز بالتآكل أو التعفن، فقد تبدأ الشقوق بالظهور، وقد يؤدي التدهور غير المتساوي أو توزيع الوزن بشكل غير متوازن إلى ميلان المباني مع مرور الوقت.

حالة برج بيزا

يمكن أن تتسبب ظروف التربة أيضاً في ميلان المباني إلى أحد الجانبين، وهذا ما حدث في حالة برج بيزا الشهير.

نونزيانتي سكويليا، أستاذ ميكانيكا التربة والأساسات في جامعة بيزا، هو جزء من فريق يراقب ميلان البرج.

وقال سكويليا لبرنامج "ويتنس هيستوري" على إذاعة بي بي سي: "بدأ البرج يميل منذ بداية بنائه بسبب الليونة الشديدة للتربة. وقد غاص بين ثلاثة وأربعة أمتار".

ويمكن أن تميل المباني أيضاً بسبب تغييرات من صنع الإنسان في التربة، على سبيل المثال، برج كنيسة "أوده كيرك"، أو الكنيسة القديمة، في دلفت.

وتقول كورف: "هو أقل شهرة بكثير لكنه يميل بطريقة تشبه نوعاً ما ميلان برج بيزا".

وتضيف: "إنه يميل باتجاه القناة لأن التربة على أحد الجانبين حُفرت لإنشاء القناة، وهي أكثر ليونة من جهة واحدة. لذلك هناك ضغط أقل لإبقائه قائماً، ثم عندما بنوه، بدأ يميل".

برج كنيسة يُرى من أحد الشوارع، وإلى جانبه قناة وصفوف من المنازل. ويبدو البرج مائلاً قليلاً إلى اليسار.

صدر الصورة، Sergio Amiti via Getty Images

التعليق على الصورة، يميل برج كنيسة "أوده كيرك" في دلفت إلى أحد الجانبين، ويرجع ذلك جزئياً إلى وجود قناة.

يمكن أن تؤدي التغيرات في المياه الجوفية أيضاً إلى ميلان المباني. وأحياناً، كما تقول كورف، تكون المباني مائلة بحكم التصميم.

وتقول: "بُنيت منازل كثيرة في أمستردام وهي مائلة إلى الأمام، لأن هذه كانت طريقة بناء منازل التجار في الماضي".

وتضيف: "كانت تُبنى غالباً على امتداد القنوات لاستخدامها في التخزين، ولتسهيل نقل البضائع إلى داخل المنزل، كانت تُبنى فعلياً مائلة إلى الأمام. لذلك، إذا كانت تميل إلى الأمام، فهذا لا يعني أن هناك مشكلة. لكن عندما تميل جانبياً، فتعرف بالتأكيد أن ذلك لم يكن مقصوداً".

إصلاح الميلان

إذن، في ظل وجود كل هذه المباني المائلة، لماذا لا نشعر بقلق أكبر؟

وفقاً للدكتورة كورف، فإن ميلان المبنى لا يعني بالضرورة أنه غير سليم من الناحية الإنشائية.

وتقول: "يجب أن يكون الميلان كبيراً جداً حتى يصبح المبنى غير مستقر إنشائياً".

لكن في بعض الأحيان، لا بد من تصحيح الميلان، كما حدث في حالة برج بيزا المائل.

ففي حين بدأ البرج يميل في مرحلة مبكرة جداً، أظهرت القياسات أن الوضع ازداد سوءاً في القرن العشرين، مع تزايد ميلان البرج بشكل مطّرد.

ويقول سكويليا: "كان الوضع مقلقاً للغاية".

برج بيزا المائل في يوم مشمس، مع حشود من الناس عند أسفله.

صدر الصورة، PhotoFires via Getty Images

التعليق على الصورة، بدأ برج بيزا المائل يميل أكثر فأكثر، إلى أن أصبح من الضروري في نهاية المطاف تقويمه لضمان سلامته.

ثم في عام 1989، انهار البرج المدني في مدينة بافيا الإيطالية. وبحسب سكويليا، كان ذلك بمثابة "الشرارة"، وأُغلق برج بيزا في العام التالي.

وكانت هناك أفكار كثيرة بشأن كيفية تقويم برج بيزا المائل قليلاً لجعله آمناً مرة أخرى.

ويقول سكويليا: "كانت التقنية التي اختيرت هي استخراج التربة".

ويضيف: "من دون لمس البرج، جرى استخراج 37 متراً مكعباً من التربة من الجهة الشمالية للأساسات".

وأُعيد فتح البرج بعد 11 عاماً.

حالة "خاصة"

لكن طريقة تقويم مبنى بهذه الآلية ليست شائعة، وفقاً لكورف.

وتقول: "هذا أمر خاص جداً ببرج بيزا، ولن تفعل ذلك في ظروف عادية".

وإذا كان المبنى المائل قائماً على ركائز خشبية، مثل المنازل في أمستردام، فإن استبدال الأساسات يمكن أن يوقف تفاقم الميلان، لكنه إجراء "تدخّلي" ويتطلب إزالة الطابق الأرضي.

صفّ من معدات الحفر، فيما يظهر برج بيزا المائل في الخلفية.

صدر الصورة، Antonello NUSCA/Gamma-Rapho via Getty Images

التعليق على الصورة، انتهت أعمال التثبيت التي استمرت 11 عاماً في عام 2001.

وتقول كورف إن من الممكن أيضاً تصحيح الميلان عبر رفع المنزل برافعات، بالطريقة نفسها تقريباً التي قد تُرفع بها سيارة، لكن ذلك قد يسبب أحياناً ضرراً أكبر من نفعه.

وتضيف: "إذا كان المنزل مائلاً فعلاً، فمن الخطر أيضاً إعادته إلى وضع مستقيم، لأن المنزل يكون قد تكيّف نوعاً ما مع حالة الميلان".

وتقول: "يجب أن تكون حذراً جداً، على الأقل حتى لا تجعل الأمور أسوأ".

وبينما يمكن تثبيت بعض المباني، فإن لذلك أيضاً سلبيات.

وتقول كورف: "يمكنهم القيام بكل أنواع الأمور بالمباني، كل شيء ممكن".

وتضيف: "لكن ذلك يكلّف الكثير من المال وهو معقّد".

تأثير تغيّر المناخ

واجهة منزل مبنية من الطوب، تظهر فيها شقوق كبيرة.

صدر الصورة، Bloomberg / Contributor via Getty Images

التعليق على الصورة، تواجه آلاف المنازل في هولندا خطر التعرض لأضرار، لأن أساساتها الخشبية تصبح مكشوفة عندما تنخفض مستويات المياه الجوفية.

وجدت أبحاث كورف أن هناك نحو 75 ألف منزل في هولندا وحدها بنيت على ركائز خشبية ومعرّضة لخطر التلف، فيما يواجه عدد يقارب ثلاثة أضعاف ذلك الخطر بسبب الأساسات الضحلة.

وقد تكون هذه المشكلات مرشحة للتفاقم.

وتقول كورف: "مع تغيّر المناخ والتغيرات في المياه الجوفية، نرى أحياناً تغيّرات أسرع".

فإذا انخفض منسوب المياه الجوفية، تتعرض الركائز الخشبية للهواء، ما قد يسرّع تلفها. كما يمكن أن تؤثر التغيرات في المياه الجوفية على طبقات التربة، وهو ما ينعكس بدوره على المنازل ذات الأنواع المختلفة من الأساسات.

لكنها أضافت أن ذلك يحدث ببطء.

أما بالنسبة إلى برج بيزا المائل، فقد جرى تقليل ميلانه بأكثر من 40 سنتيمتراً بعد 11 عاماً من العمل، الذي اكتمل في عام 2001. ويعتقد المهندسون أن مستقبله آمن لمدة 200 عام على الأقل.