ذهان ما بعد الولادة: عندما يتحوّل المرض النفسي إلى خطر يهدّد حياة الأم وطفلها

رسمة تعبيرية لأم مع طفل مولود جديد

صدر الصورة، Getty Images

    • Author, سوزانا قسوس
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

** تحذير: يتضمن المقال وصفاً لأحداث مؤلمة ومحتوى قد يكون مزعجاً.

كانت ليندسي كلانسي تعرف جيداً كيف تساعد النساء على الولادة، بحكم عملها ممرضة في القسم ذاته، وكانت أماً لثلاثة أطفال. لكن في يناير/كانون الثاني 2023، تحوّلت حياتها وعائلتها إلى واحدة من أكثر القضايا المأساوية إثارة للجدل في الولايات المتحدة.

في منزل العائلة بمدينة دوكسبري في ولاية ماساتشوستس، أقدمت كلانسي، البالغة 35 عاماً، على خنق أطفالها الثلاثة، كورا، البالغة خمس سنوات، وداوسون، ثلاث سنوات، وكالان، الذي يبلغ عمره ثمانية أشهر فقط، باستخدام أحزمة مقاومة للتمارين الرياضية. وبعد ذلك، حاولت إنهاء حياتها بالقفز من نافذة في الطابق الثاني، ما أدى إلى إصابتها بشلل جزئي.

لا تنكر كلانسي أنها قتلت أطفالها، لكن فريق دفاعها يستند إلى حجة مختلفة تماماً: أنها لم تكن في كامل وعيها وإدراكها وقت ارتكاب الجريمة، وأنها كانت تعاني من ذهان ما بعد الولادة ومرض نفسي شديد.

تُعيد محاكمتها فتح النقاش حول أحد أكثر اضطرابات ما بعد الولادة خطورة، وحول الحدود الفاصلة بين المرض النفسي والمسؤولية الجنائية، وكيف يمكن لحالة نفسية حادة أن تدفع أماً إلى ارتكاب فعل يبدو، في ظاهره، مستحيلاً على التصوّر.

ملاحظة: مع استمرار المحاكمة، لا تزال مسؤولية ما حدث ومن يتحمل تبعاته أموراً تفصل فيها المحكمة. لكن القضية تسلّط الضوء أيضاً على أهمية فهم هذا الاضطراب النفسي والتعرّف إلى علاماته.

أم مرهقة مع أطفالها (رسمة تعبيرية)

صدر الصورة، Getty Images

ما هو ذهان ما بعد الولادة؟

يُصيب ذهان ما بعد الولادة امرأة إلى امرأتين من كل ألْف، وهو اضطراب نفسي "نادر" وخطير قد يصيب المرأة خلال الأيام أو الأسابيع الأولى بعد الولادة، ويسبب فقدان الاتصال بالواقع، ويُعد حالة طبية طارئة تتطلب تدخلاً وعلاجاً فورياً، نظراً لاحتمال تعريض الأم أو طفلها للخطر، وفقاً لخدمات الصحة الوطنية البريطانية.

كيف يختلف عن اكتئاب ما بعد الولادة؟

اكتئاب ما بعد الولادة والذهان التالي للولادة حالتان مختلفتان من حيث الأعراض والخطورة؛ إذ يُعد اكتئاب ما بعد الولادة أكثر شيوعاً، ويظهر في صورة حزن مستمر وفقدان الاهتمام، والقلق والإرهاق والشعور بالذنب وصعوبة الارتباط بالطفل.

بينما يُعد ذهان ما بعد الولادة حالة نادرة وخطيرة قد تظهر خلال الأيام أو الأسابيع الأولى بعد الولادة، وتتضمن الهلوسة والأوهام والارتباك الشديد واضطراب التفكير وتقلبات حادة في المزاج.

ماذا تقول أمهات عن الذهان؟

رسمة تعبيرية لأم متعبة وطفلها خلفها على السرير

صدر الصورة، Getty Images

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

تروي هبة، وهي أم لطفلين قائلة: "بحسب تجربتي، ذهان ما بعد الولادة من أصعب التجارب التي قد تحدث للمرأة. لا أحد يفهم ما نشعر به. كنت أسمع أصواتاً تستحثني على أن أضع السكين على عنق طفلي ونحن في المطبخ نأكل. كانت الأصوات تكاد تسيطر علَيّ".

"في مجتمعاتنا، لا أحد يفهم الحالة النفسية التي تمرّ بها الأم بعد الولادة. يقولون: إنها تهيؤات. يظنون أن الأم يجب أن تكون فرِحة بإنجاب طفلها ولا يفكرون بما يحدث داخل دماغها ولا يتخيلون صعوبة الأفكار المتكررة"، تقول فرح.

وتصف فرح معاناتها من اكتئاب ما بعد الولادة، وتصفه بـ"أصعب تجربة"، وتكمل: "لا أتخيّل صعوبة الأمر عند مرضى ذهان ما بعد الولادة، كدت أفقد عقلي".

أما همسة، التي عانت من ذهان ما بعد الولادة، فتقول: "لا أنسى ما حدث لي، وأشعر بالخوف كلما تذكرت فترة النفاس. كان طفلي يبكي بكاءً متواصلاً، وكانت ولادتي متعسّرة ومرهقة، ولم أكن أنام. وجاء الناس لزيارتي منذ أن خرجت من غرفة الإفاقة، ولم يتوقفوا طوال فترة النفاس. كنت أشعر وكأنني فقدت صوابي من شدة التعب؛ لا أنام، وأعاني من آلام الغرز، وألم الولادة الأولى، والصدمة، وكل شيء في وقت واحد".

تضيف الأم لطفل واحد: "من شدة بكائه، كنت أشعر بأنني لا أستطيع إسكاته. كنت أركض في أرجاء المنزل وأنا أتألم من جسدي، وأهزّه بقوة شديدة، وأقول: "يا بنات، أرجوكن، فقط أريد أن يسكت". كنت أصرخ وأبكي وأقول: "خلاص، خذوه منّي".

"حتى جاءت أمي وأخذتْه منّي، وأدركت أنني لست بخير. جلستُ أصرخ وأقول: "لا أريده، خذوه منّي، أخشى أن أفعل به شيئاً". "ثم حبست نفسي في غرفتي لمدة أسبوع، أحاول استيعاب ما كنت أفعله به، وأبكي وأتساءل: لماذا فعلت ذلك؟ كانت أياماً صعبة جداً، أسأل الله ألّا تعود"، توضح همسة.

متى يجب "دق ناقوس الخطر"؟

تقول ديما حداد، أخصائية علم نفس الإكلينيكي، إنه في كثير من الحالات، لا تبدأ الصورة الإكلينيكية بالهلاوس أو الضلالات مباشرة، وإنما تسبقها علامات إنذارية قد تبدو للبعض مجرد إرهاق بعد الولادة، مثل اضطراب شديد في النوم أو انعدام النوم لعدة ليالٍ، وارتباك واضح في التفكير وتقلبات حادة في المزاج وازدياد الشك أو الارتياب وكلام غير مترابط أو سلوك غير معتاد.

وتُضيف الأخصائية أنه مع تطوّر الحالة قد تبدأ الأم بسماع أصوات غير موجودة، أو تبني معتقدات خاطئة وثابتة لا تتوافق مع الواقع، كاعتقادها أن طفلها في خطر غير حقيقي، أو أن لديها رسالة خاصة أو مهمة استثنائية يجب تنفيذها.

فكيف يجب التعامل مع الأم التي تعاني من ذهان ما بعد الولادة؟ وما المطلوب ممن حولها؟

تقول ديما إنه من المهم أولاً إدراك أن الأم لا تختار هذه الأعراض، وأنها تمرّ باضطراب نفسي حاد يؤثّر في إدراكها للواقع لذلك لا يفيد لومها أو محاولة إقناعها بالقوة بأن أفكارها غير صحيحة.

وتُضيف أن دور الأسرة يتمثل في الحفاظ على سلامة الأم والرضيع، وعدم تركها بمفردها إذا ظهرت أعراض ذهانية، والتواصل الفوري مع الطبيب النفسي أو قسم الطوارئ، مع توفير بيئة هادئة وداعمة والالتزام بالخطة العلاجية التي يضعها الفريق الطبي.

صورة تعبيرية لأم مرهقة وطبيبة تشرح لها حالتها

صدر الصورة، Getty Images

توضّح أخصائية علم النفس الإكلينيكي أن هناك مؤشرات واضحة تستدعي التعامل مع حالة الأم باعتبارها طارئة، خصوصاً عند ظهور أي أعراض ذهانية، مثل سماع أصوات أو رؤية أشياء غير موجودة أو وجود معتقدات غير واقعية وثابتة أو فقدان القدرة على التمييز بين الواقع والخيال. كما تشمل علامات الخطر الحديث عن إيذاء النفس أو الرضيع، والهياج الشديد، والسلوك الاندفاعي أو العدواني.

تقول الأخصائية: "قد تتطلب بعض الحالات الإدخال إلى المستشفى لضمان سلامة الأم والطفل، والبدء بالعلاج الدوائي والمتابعة المكثفة، لا سيما عند وجود أفكار أو نوايا لإيذاء النفس أو الطفل أو هلاوس آمِرة أو ضلالات تتعلق بالرضيع، أو هياج شديد أو فقدان القدرة على العناية بالنفس والطفل أو رفض الطعام والشراب والعلاج".

كما تزداد الحاجة إلى التدخل المتخصص عندما لا تتوفر شبكة دعم قادرة على ضمان سلامة الأم والطفل.

وتُشير إلى أن وصمة المرض النفسي لا تزال من العوامل التي قد تؤخر طلب المساعدة، إذ قد تخشى بعض الأمهات أو أُسرهن من الأحكام الاجتماعية، أو أن يؤدي الإفصاح عن الأعراض إلى اعتبار الأم غير قادرة على رعاية طفلها.

رسمة تعبيرية لأم مرهقة تحمل طفلها الرضيع

صدر الصورة، Getty Images

ولا تقتصر العلامات التي تستدعي الانتباه على الأعراض الذهانية الواضحة، إذ قد تكون هناك مؤشرات أخرى، مثل الانعزال المفاجئ، أو الامتناع عن النوم، أو الارتباك الشديد، أو التغير الجذري في الشخصية، أو السلوك غير المنظم. وقد تكون هذه الأعراض بداية اضطراب ذهاني يحتاج إلى تقييم وتدخل فوريين، وفقاً للأخصائية النفسية.

وتضيف ديما حداد، أنه لا يوجد سبب واحد لذهان ما بعد الولادة، بل ينتج غالباً عن تفاعل عوامل بيولوجية ووراثية ونفسية. ويُعد اضطراب ثنائي القطب، والتاريخ السابق لذهان ما بعد الولادة والتاريخ العائلي للاضطرابات الذهانية من أبرز عوامل الخطورة، وقد تسهم التغيرات الهرمونية والحرمان الشديد من النوم في تحفيز الحالة.

ولا يمكن الوقاية من جميع الحالات، لكن تجب المتابعة الدقيقة قبل الولادة وبعدها.

رسمة تعبيرية لأم متعبة تنظر إلى رضيعها النائم على السرير

صدر الصورة، Getty Images

كيف يمكننا حماية الأطفال؟

درست المتخصصة في الصحة النفسية للمرأة والصحة النفسية في فترة الحمل وما بعد الولادة، بربها إس تشاندرا، 108 نساء أُصبن باضطرابات نفسية شديدة بعد الولادة، ووجدت أن 53 في المئة منهن كان لديهن أوهام مرتبطة بالرضيع.

كانت الأمهات اللواتي اعتقدن، مثلاً، أن الطفل شيطان أو أنه طفلُ شخصٍ آخر، وكذلك الأمهات اللواتي لديهن أوهام مرتبطة بالرضيع - أكثر عرضة لإساءة معاملة الطفل، لأنهن يُعتبرن "غير آمنات" لرعاية الطفل بمفردهن.

وتوضح الدكتورة أمريثا بهات، من قسم الطب النفسي والعلوم السلوكية في كلية الطب بجامعة واشنطن، أن إدخال الأم إلى المستشفى لا يعني بالضرورة فصلها عن طفلها. ففي البلدان التي تتوفر فيها وحدات الأم والطفل، يمكن إدخال الأم لتلقي العلاج النفسي مع إبقاء الطفل معها في بيئة آمنة.

وتوضّح بهات أن هذه الوحدات مصممة بحيث تركز على السلامة والدعم والتثقيف، كما أن إبقاء الطفل مع الأم، عندما يكون ذلك آمناً، يمكن أن يقلل من خطر اضطراب العلاقة بينهما. وبعد الخروج من المستشفى، توصي المراجعة بوضع خطة علاج وإدارة مخاطر مخصصة لضمان سلامة الأم والطفل.