You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
أرواح لا تقبل البتر: ما قصة أول فريق كرة قدم نسائي للمبتورين في قطاع غزة؟
- Author, مروة جمال
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
"اللي بتذكره إني أنا صحيت من النوم، حاولت إني أقوم عن التخت، ما قدرت إني أوقف على رجليا، فصرت أنط على رجل واحدة لحد ما وصلت الصالون، بعد ما وصلت، اكتشفت إنه أنا رجلي مش موجودة".
في فجر التاسع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2023، كانت رزان عماد خيرة، الشابة ذات الأربعة وعشرين ربيعاً، والعداءة الشهيرة في قطاع غزة، تنام في منزلها الكائن في حي الدرج في قلب غزة. لم تكن تدري أن هذا الليل سيقسم حياتها إلى نصفين؛ ما قبل البتر وما بعده. استهدف الطيران المنزل المقابل لبيتها ليتبدل كل شيء.
تقول عن تلك اللحظة: "ظللت أنزف ساعة ونصف كاملة وعائلتي تحاول الاتصال بالإسعاف وسط النيران والقصف المستمر، حتى وصلت السيارة أخيراً لتنقلني إلى عيادة حي الدرج. هناك، واجه الأطباء موقفاً طبياً معقداً؛ فالأعيرة والشظايا تركت ساقي الثانية معلقة بقطعة جلد واهية".
تكمل رزان: "عملوا لي هناك إسعافات أولية، وبتروا لي الرجل اللي كانت موجودة لسا، اللي هي معلقة في جلدة واحدة، الدكتور مسكلي رجلي وحط لي إياها جنبي".
هذا المشهد المرعب كان أشد قسوة على رزان لأنها لم تكن فتاة عادية؛ لقد كانت عدّاءة.
الرياضة تجري في دماء عائلتها منذ الصغر: "قبل الحرب أنا كنت عداءة، والدي لاعب كرة قدم ومدرب في الملاعب، وعمي لاعب كرة قدم ومدرب، وإحنا كنا من وإحنا أطفال يعني علمونا هذا الشيء، في الملاعب دايماً كنا أنا وخواتي البنات والشباب وبنات عمي وولاد عمي، كلنا كعائلة رياضية".
حين تواصلت معها "جمعية فلسطين للمبتورين" لعرض فكرة الانضمام إلى فريق كرة قدم نسائي، شعرت رزان بغرابة العرض؛ فهي عداءة مسافات طويلة وليست لاعبة كرة قدم. لكن إرادة الحياة بداخلها جعلتها تحسم التردد: "مش تخصصي كرة القدم، ولكن يعني أنا حكيت ليش لأ، ليش ما نحاول ليش ما نجرب في هذا الفريق".
تنظر رزان إلى عكازيها اليوم لا كأدوات عجز، بل كأجنحة بديلة، تدرك جيداً أن أزمتها الحالية تكمن في غياب الأطراف الصناعية التي تسعى للحصول عليها لتقف مجدداً، لكنها في الوقت ذاته لا تضع حياتها رهن الانتظار.
"الإصابة مش نهاية الحياة ومش نهاية الطريق، بالعكس، ممكن إنه أنا بسبب إصابتي يعني أوصل لشغلات أكبر من هيك، يعني أنا اللي بختار الطريق قدامي مش الإصابة، لم أفقد أملي، وكل ما يعيقني حالياً هو تركيب طرف صناعي. إذا وجد له بديل كالعكازات أو كأن نلعب بقدم واحدة فلم لا، بأقل القليل وبأقل الفرص الموجودة لدينا نحاول ونسعى، الإصابة ليست نهاية الطريق".
"فارقتني قدمي لكن لم يفارقني الاكتئاب"
عاشت داليا، إحدى عضوات الفريق، تجربة مشابهة لتجربة رزان. فالقذيفة التي سقطت على منزلها لم تمر عابرة، بل تركت خلفها جسداً مبتوراً وروحاً مثقلة بالصدمة. تعرّف داليا نفسها اليوم بعبارة تختصر واقعاً فرضته الحرب: "أنا اسمي داليا السخوري، مصابة الحرب"
تسترجع داليا تلك الأيام الطوال التي انمحت فيها الحدود بين الليل والنهار داخل أسوار المشفى: "خمسة أشهر هي فترة علاجي بعدما تعرض منزلي للقصف، فارقتني خلالها قدمي لكن لم يفارقني الاكتئاب، خمسة أشهر كاملة من العمليات الجراحية المتتالية، وتجرع الآلام، ومواجهة الشلل النفسي الذي يتبع خسارة الأطراف".
في تلك الفترة المتشحة بالسواد، حيث كان الاكتئاب يلتهم كل فكرة تتسلل إلى رأسها، بدأت داليا رحلة لبحث عن أي قشة تتشبث بها لئلا تسقط تماماً. كانت تتأمل سقف الغرفة، وتحدث نفسها: "الحمد لله رب العالمين أنا لسه عندي عقل، أنا صحيح صار عندي بتر بالقدم، بس الحمد لله رب العالمين أنا أحسن من غيري، وغيري أحسن مني".
كان التحدي الأكبر يكمن في مهنتها؛ فداليا بالأساس مصورة، مهنة تعتمد كلياً على الحركة، على الملاحقة، وعلى الوقوف الطويل لاقتناص الكادر. أدركت في لحظة صدق مع النفس أن حياتها المهنية السابقة قد تبدلت للأبد: "كنت مصورة، بس مش هأقدر أعمل اللي كنت أعمله زمان، زمان بيختلف عن هذا اليوم".
هذا التحول القسري قادها إلى قضاء ساعات طويلة أمام شاشات الإنترنت، تتصفح بغير هدى، حتى لمعت أمام عينيها ومضة مغايرة؛ مقاطع فيديو لفريق من مبتوري الأطراف يلعب كرة القدم.
تساءلت في سرها: "ليش ما أستفيد يعني أنا من هاي اللعبة وهيك؟". شعرت بفرحة غامرة أحيت داخلها رغبة المبادرة، فتحركت على الفور وتحدثت إلى رئيس الجمعية، وشرحت له رغبتها وحالتها، فجاءها الرد مرحباً: "أنا حابب إنك تكوني معانا وتكوني بالفريق هذا".
نزلت داليا إلى أرض الملعب، وحين لامست قدمها المتبقية عشبه الأخضر الزاهي، شعرت بأن روحها تتنفس مجدداً كما تقول: "الحمد لله رب العالمين.. لعبة الكورة أسعدتني.. وبحاول إني أقرّب منها أكتر، وإن شاء الله يا ربي هيك أكون مبسوطة أكتر وأكتر."
حين سألنا داليا عن أثر إصابتها، وكيف استطاعت تحدي هذا العائق والمشاركة في الفريق، أجابت: "أنا إصابتي اليوم إنه بتر يعني، الله يكون بالعون.. إن كان أنا أو غيري، أي حدا مصاب الله يكون بعونه.. أنا اليوم تحديت الإصابة اللي عندي، تحديتها لأني أنا بدي ألعب لعبة الكورة، لأنه في يوم من الأيام أنا هستفيد، يعني إحنا بنات فلسطين ما في شي بوقفنا الحمد لله رب العالمين، رغم إنه الحرب لسه شغالة، رغم إنه الإصابات اللي بتصير، رغم كل حاجة الحمد لله إحنا قدها وقدود".
لا تنكر داليا حجم المعاناة اليومية، فالخروج من باب البيت بات معركة قائمة بذاتها، تقول عنها: "أنا اليوم كتير بعاني من مشاويري، بس إنه برجع بقول يعني أنا قدها.. وبطلع وبنزل وبروح وباجي".
هذا العناد اليومي تحول إلى مصدر إلهام لمن يراقبونها في الشارع؛ فالناس يحيطونها بكلمات الدعم، "الناس بتصير أغلبها بتضلها تحكي لي ما شاء الله إنك أنت عندك إرادة، بصير أنا مبسوطة أكتر، وبحب إنه الناس تيجي تحكي لي ما شاء الله عنك إنك أنت عندك إرادة وهيك".
الملعب بالنسبة لداليا أعاد تعريف المستحيل؛ فالجسد الذي عجز عن الركض العادي، وجد في حضور الكرة محركاً استثنائياً للركض بقدم واحدة خلف الدائرة المستديرة.
حارسة عرين باليد الواحدة
وعلى خط مرمى هذا الفريق الاستثنائي تقف عائشة العبادلة. تختلف قصة عائشة في تفاصيلها الزمنية، لكنها تتطابق في جوهر التحدي؛ فهي تعيش مع بتر يدها اليسرى منذ سنوات طويلة.
بالنسبة لها، فإن شباك المرمى التي تحرسها ببراعة هي المساحة التي تطلق منها رسالتها إلى العالم الصامت: "هذا حلمنا، المشاركة في مسابقات دولية وأن نوصل رسالتنا إلى العالم، ونحقق حلمنا في الخارج في كرة القدم".
لم تكن الحرب الحالية سوى جدار سميك آخر حاول قطع طريقها، إذ تسببت الأوضاع في تجميد اللعبة لثلاث سنوات متواصلة، لكن الرغبة في البقاء كانت أقوى.
تقول عائشة: "الحرب أوقفتنا عن ممارسة كرة القدم، بس إحنا قد التحدي وحبينا إنه إحنا نكمل، فإحنا عشان قد التحدي رجعنا للكورة ورجعنا لنشاطنا اللي قبل الحرب، وبتمنى إنه النشاط هذا يظل مستمر للأبد".
حين تعيد كرة القدم نبض الحياة
من وراء خطوط التماس، تتابع الصحفية الرياضية نيللي المصري، المسؤولة عن الجانب الإعلامي في "جمعية فلسطين لذوي البتر"، تفاصيل هذه النهضة الإنسانية النسوية وسط الركام. وتوضح السياق العام لتأسيس هذا الفريق: "جمعية فلسطين لكرة القدم" كانت سباقة في تفعيل رياضة المبتورين في عام 2018 وكان لدينا أكثر من سبعة أندية تشارك في بطولات محلية، من هذا المنطلق حاولنا البحث عن الفتيات اللواتي تعرضن للبتر خلال القصف لضمهن إلى فريق كرة القدم الخاص بالمبتورين."
الهدف من الجري وراء الكرة يتجاوز الألقاب الرياضية بكثير، إنه عملية ترميم للأرواح المكسورة، ووسيلة لتقديم الدعم النفسي والتعافي، لأن الفتاة التي تفقد أحد أعضاء جسدها كالساق مثلاً تكون فرصها في الحياة قليلة جداً، وتكون بحاجة إلى دعم نفسي أكثر من أي إنسان عادي.
وبحسب نيللي، يتطلع الفريق النسائي حالياً للمشاركة في بطولة دولية كبرى في أوروبا عام 2027. ورغم أن الحصار، وإغلاق المعابر، والقيود السياسية المفروضة على قطاع غزة حرمت الفريق من السفر لخوض المنافسات الحالية، إلا أن التحضيرات والتدريبات لم تتوقف.
تسعى الجمعية إلى تأمين معسكرات خارجية للاعبات لاكتساب الخبرة اللازمة، خاصة أن معظمهن لم يمارسن الرياضة على نحو احترافي سابقاً، باستثناء حالات نادرة كالعداءة؛ رزان والمصورة داليا.
لقد غدت كرة القدم لهؤلاء الفتيات أكثر من مجرد لعبة؛ إنها طوق نجاة، ووسيلة لاستعادة السيطرة على المصير، وتمرد في وجه العجز، أثبتن من خلالها للعالم أن الأجساد قد تُبتر، لكن الإرادة تظل كاملة لا تنقصها قطعة.