كيف تموت اللغات، وماذا يحدث لأهلها؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, هشام الجرايشة
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 8 دقائق
إن سألك طفلك يوماً عن أول جملة نطقها الإنسان، فماذا ستقول له؟ ربما تفكر قليلاً، ثم تكتشف أن السؤال أصعب مما يبدو: كيف يمكننا معرفة كلمات قيلت قبل آلاف السنين ثم اختفت في الهواء؟
حاول العلماء طويلاً العثور على إجابة. بحثوا في تطور الإنسان وآثار المجتمعات القديمة، لكنهم لم يعثروا على دليل يقودهم إلى أول كلمة أو جملة. وخلصت مراجعة نشرتها دورية "فرونتيرز إن سايكولوجي" عام 2014 إلى أن ما نعرفه لا يكفي لتحديد متى بدأت اللغة أو كيف مرت بمراحلها الأولى.
لذلك، ربما يكون الجواب الأبسط لطفلك أننا لا نعرف أول جملة نطقها الإنسان، وربما لن نعرفها أبداً. فالكلام لا يترك وراءه أثراً يمكن اكتشافه بعد رحيل صاحبه، لكننا نعرف أن البشر كانوا يتحدثون قبل أن يعرفوا الكتابة بزمن طويل.
وأقدم كتابة وصلت إلينا ظهرت في بلاد الرافدين قبل عام 3200 قبل الميلاد، وفق المتحف البريطاني. آنذاك، سجل الكتبة على ألواح الطين حسابات السلع والمعاملات، لكن تلك العلامات لم تكن بداية اللغة؛ إذ كان الناس يتبادلون الأسماء والحكايات والخبرات قبل أن يفكروا في تثبيت كلماتهم على الطين.
وبقيت اللغات حية لأن الكلمات انتقلت من شخص إلى آخر، ومن الآباء إلى أطفالهم. فالطفل يتعلم اللغة من أهله، ثم يبدأ بها تسمية الأشخاص والأشياء، وطرح الأسئلة، وسرد الحكايات، والتعبير عما يريد.
لكن ماذا يحدث عندما يتوقف الأطفال عن تعلم لغة آبائهم؟ تبدأ اللغة بالتراجع بهدوء. يظل كثيرون قادرين على فهمها، لكن عدد المتحدثين بها يتناقص، حتى تنحصر بين كبار السن، ثم يمكن أن تختفي بوفاة آخر شخص يجيدها.
وفي التاسع من أغسطس/آب من كل عام، يلفت اليوم الدولي للشعوب الأصلية الانتباه إلى مجتمعات تتحدث غالبية لغات العالم، وإلى لغات لم يعد بقاؤها مضموناً.
والسؤال الأهم هنا: كم لغة اختفت عن شعوبها بعدما ظلت حية قروناً؟ ولماذا توقف الناس عن التحدث بها؟

صدر الصورة، Getty Images
كم لغة تواجه خطر الاختفاء؟
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
تشير تقديرات "كتالوغ اللغات المهددة"، المعروف اختصاراً باسم "إي إل كات"، إلى أن 3,176 لغة كانت مهددة، أي نحو 46 في المئة من لغات العالم، وجاء هذا الرقم في ورقة قدمها الباحثان لايل كامبل ونالا هويينغ لي وأربعة باحثين آخرين عام 2013، خلال مؤتمر لتوثيق اللغات وصونها في جامعة هاواي في مانوا.
ويجمع المشروع، الذي أنشأته جامعتا هاواي في مانوا وإيسترن ميشيغان، معلومات عن اللغات المهددة في أنحاء العالم، وتمكن الباحثون من توثيق 639 لغة انقرضت، بينها 227 لغة اختفت منذ عام 1960.
وتكشف بيانات نشرتها اليونسكو عام 2016 أن معظم اللغات المهددة تستخدمها مجتمعات صغيرة؛ فمن بين اللغات التي توفرت عنها أرقام سكانية، كان عدد المتحدثين بـ 1,749 لغة يقل عن عشرة آلاف شخص.
ولا يعرف الباحثون العدد الكامل للغات التي اختفت عبر التاريخ، حيث إن كثيراً منها رحل قبل ظهور التسجيلات والدراسات اللغوية، من دون أن يترك نصوصاً أو معاجم.
وتستخدم اليونسكو تقديراً شائعاً يقول إن العالم يفقد لغة كل أسبوعين، لكن لايل كامبل وإيف أوكورا قدّرا في فصل نشرته دار روتليدج عام 2018 المعدل بنحو لغة كل 12 أسبوعاً، اعتماداً على الحالات التي أمكن تحديد تاريخ توقف استخدامها.
ولا يعني هذا التفاوت أن أحد الرقمين يحسم المسألة، فمن الصعب تحديد اللحظة التي تنقرض فيها اللغة؛ وقد يموت آخر متحدث بطلاقة، بينما يبقى آخرون يتذكرون كلمات منها أو يفهمون بعض عباراتها، كذلك يمكن أن تتوقف عن الانتقال إلى الأطفال قبل عقود من وفاة آخر من يجيدها.
كما يمكن أن يتعلم أفراد المجتمع لغتهم من جديد بعد توقف استخدامها لغةً أم، ولهذا يفضل بعض الباحثين وصفها بأنها "نائمة" بدلاً من "منقرضة"، إذا بقي مجتمع يرتبط بها ويحاول إعادتها إلى الحياة.
كيف تبدأ اللغة بالانحسار؟
وضعت مجموعة من خبراء اليونسكو عام 2003 مقياساً يتابع رحلة اللغة من القوة إلى الانقراض، وكان السؤال الأهم فيه بسيطاً: هل ما زال الأطفال يتعلمون هذه اللغة من آبائهم؟
تكون اللغة آمنة عندما تتحدث بها جميع الأجيال، وتصبح هشة عندما يستخدمها الأطفال في أماكن محدودة، مثل المنزل، ثم تدخل مرحلة الخطر عندما يتوقفون عن تعلمها لغةً أم.
ويشتد الخطر عندما تبقى اللغة على ألسنة الأجداد، بينما يفهمها الآباء من دون أن يتحدثوا بها مع أطفالهم، وتصل إلى المرحلة الأكثر حرجاً حين يصبح أصغر المتحدثين بها من كبار السن، ولا يستخدمونها إلا جزئياً أو في مناسبات قليلة.
ولا ينظر الباحثون إلى أعمار المتحدثين فقط، بل يسألون أيضاً: كم شخصاً لا يزال يستخدم اللغة؟ وأين تُستخدم؟ وهل لها مكان في المدارس والإعلام والفضاء الرقمي؟ وهل تتوافر بها كتب ومواد تعليمية؟ كما يدرسون موقف الدولة منها، ونظرة أهلها إليها، ومقدار ما جرى توثيقه من كلماتها وقواعدها.
لكن لماذا يتوقف الناس عن نقل لغتهم إلى أطفالهم؟
لا يحدث ذلك دائماً باختيارهم، فبحسب وثيقة اليونسكو لعام 2003، تتراجع اللغة بسبب الحرب أو الضغوط الاقتصادية والدينية والثقافية، أو بسبب نظام تعليمي لا يمنحها مكاناً في المدارس.
وفي أحيان أخرى، يستخدم الآباء لغة أوسع انتشاراً مع أطفالهم، اعتقاداً منهم بأنها ستساعدهم في التعليم والعمل، ومع مرور الوقت، تنحسر لغة الأسرة داخل المنزل وخارجه.
لكن الباحث ويسلي واي ليونارد يحذر من اختصار هذا التحول في قرار فردي حر، ففي بحث نشرته دورية "ديدالوس"، التابعة للأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، عام 2023، أوضح أن القول إن لغة ما "اختفت" قد يظلم في سياق ما، ما تعرض له أهلها من استعمار وتهجير وتهميش ووصم وإقصاء.
ودرست الباحثة ليندل برومهام وزملاؤها أوضاع نحو سبعة آلاف لغة، في بحث نشرته دورية "نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن" في فبراير/شباط 2022، ووجدوا أن الخطر يزداد عندما يدرس الأطفال لسنوات بلغة مهيمنة، من دون أن تحصل لغة المنزل على مكان في المدرسة.
كما وجدوا ارتباطاً بين انتشار الطرق وارتفاع مستوى التهديد، فالطرق تسهل انتقال الناس إلى المدن واتصال المجتمعات الصغيرة بالعالم الخارجي، لكنها توسع أيضاً حضور اللغات الكبرى في العمل والتعليم والخدمات.
ولا يعني ذلك أن المدرسة أو الطريق يقتلان اللغة تلقائياً؛ فالتعليم بلغتين يساعد الأطفال على التعلم من دون التخلي عن لغة أسرهم، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح لغة واحدة مطلوبة في المدرسة والجامعة والعمل، بينما لا تستخدم الأخرى إلا داخل المنزل.
وتضيف الهجرة ضغطاً جديداً، ففي المدينة، ربما لا يجد الشخص من يتحدث معه بلغته، خصوصاً عندما يتفرق أفراد المجتمع أو يتزوجون من خارجه، ومع الوقت، يتحدث الأجداد اللغة، ويفهمها الآباء من دون استخدامها كثيراً، ثم يكبر الأطفال وهم لا يعرفون منها إلا كلمات قليلة.

صدر الصورة، Getty Images
حين تشتت الحرب أهل اللغة
وتتجاوز الحروب الآثار التي ترتبها على المجتمعات لتصل إلى الكلمات التي يتحدث بها الناس، فعندما تغادر العائلات بلداتها وتتوزع بين مدن ودول مختلفة، لا تنتقل معها اللغة دائماً بالقوة نفسها؛ يكبر الأطفال وهم يسمعون لغة المدرسة والشارع، بينما تتراجع لغة آبائهم إلى أحاديث محدودة داخل المنزل.
وهذا ما تواجهه الآرامية الغربية الحديثة في سوريا، ففي فصل بحثي نشرته "أوبن بوك بابليشرز" عام 2025، وصف فيليب بورلاكوف وآنا تشيركاشينا وتشارلز هابرل وسيرغي لوسوف اللغة بأنها مهددة بشدة، وقدروا عدد المتحدثين بها بأقل من ثلاثة آلاف شخص، معظمهم في معلولا وجبعدين.
ويربط الباحثون تراجعها بالحرب السورية، التي دفعت متحدثين إلى النزوح وأضعفت قدرة العائلات على نقل اللغة إلى أطفالها، فكلما ابتعد أفراد المجتمع عن بعضهم، قلت الأماكن والمواقف التي يمكنهم فيها استخدام الآرامية بصورة طبيعية.
وفي محاولة لحفظها، قدم غطاس عيد وإستر زيفارت وإنغو بلاغ، خلال مؤتمر الموارد اللغوية والتقييم في مرسيليا عام 2022، أول مدونة إلكترونية لكلام معلولا، ونشرتها جمعية الموارد اللغوية الأوروبية.
وتضم المدونة 64,845 كلمة، إلى جانب تسجيلات صوتية ونصوص مرتبطة بها وتحليلات لغوية، ويمكن أن يساعد ذلك على حفظ اللغة ودراستها، لكنه لا يكفي وحده لإبقائها حية؛ فالتسجيل يستطيع حفظ صوت المتحدث، دون أن يحل مكان مجتمع يستخدم اللغة كل يوم وينقلها إلى أطفاله.
رحلة الأوبيخية من التهجير إلى الصمت
في بعض الأحيان، تبدأ رحلة اختفاء اللغة بقرار سياسي، ولا تنتهي إلا بعد أجيال، فمثلاً، كانت الأوبيخية تُستخدم قرب مدينة سوتشي الحالية، على الساحل الشرقي للبحر الأسود، لكن الحروب التي شهدها القوقاز غيرت مصير أهلها ولغتهم معاً.
تقول الباحثة أوزليم سيلين دورهان، في دراسة نشرتها "مجلة اللغات المهددة" عام 2014، إن معظم الأوبيخ اضطروا إلى مغادرة القوقاز عام 1864، وإن نحو 30 ألفاً منهم انتقلوا إلى أراضي الدولة العثمانية.
وفي موطنهم الجديد، أصبحوا بحاجة إلى التركية في حياتهم اليومية، كما عاشوا إلى جانب جماعات تتحدث لغات قوقازية أخرى، ومع مرور السنوات، ابتعد الشباب عن الأوبيخية، حتى تحول المجتمع تدريجياً إلى التركية وإحدى لهجات الأديغية.
وظلت اللغة تتراجع جيلاً بعد آخر، إلى أن لم يبق سوى شخص واحد يتقنها بصورة كاملة، هو توفيق إسنتش، وقبل وفاته، عمل مع لغويين على تسجيل كلماتها وأصواتها، لكن أبناءه الثلاثة لم يكونوا قادرين على إجراء محادثة بها، وفق الدراسة.
وفي السابع من أكتوبر/تشرين الأول 1992، توفي إسنتش، وتوقفت بوفاته الأوبيخية عن أن تكون لغة حية يتحدث بها الناس.

صدر الصورة، abkhazworld
حين تحظر المدرسة لغة المنزل
في كندا، لم تتراجع لغات السكان الأصليين لأن أهلها توقفوا فجأة عن استخدامها، بل سبقت ذلك سياسة فصلت الأطفال عن عائلاتهم ودفعتهم إلى التخلي عن لغة المنزل.
وتقول اليونسكو، في سجلها البحثي "الأطفال يتحدثون"، إن نظام المدارس الداخلية استمر قرابة 150 عاماً، وكان هدفه دمج أطفال السكان الأصليين في مجتمع المستوطنين، وخلال تلك الفترة، حُرمت أجيال من لغاتها وممارساتها الروحية والمعارف التي كانت تنتقل داخل الأسرة.
وفي دراسة نشرها الباحث مسعود خواجة في دورية "سوسايتيز" عام 2021، أوضح أن الأطفال مُنعوا من استخدام لغاتهم في تلك المدارس، وأن آثار هذه السياسة لم تنته بعد عودتهم إلى مجتمعاتهم، بل امتدت نفسياً واجتماعياً إلى الأجيال التالية.
فالطفل الذي يُفصل عن والديه ويُعاقب على التحدث بلغته قد يكبر من دون أن يتقنها، أو وهو يخشى استخدامها أمام أبنائه، ومع الوقت، تحل الإنجليزية أو الفرنسية محلها داخل المنزل، وتنقطع السلسلة التي كانت تنقل لغة الأسرة بين الأجيال.
هل يمكن تغيير المصير؟
ولا يستطيع الباحثون تحديد اللغات التي ستختفي خلال العقود المقبلة؛ فتصنيف اللغة على أنها مهددة لا يحسم مصيرها، كما أن انخفاض عدد المتحدثين بها لا يقود دائماً إلى النتيجة نفسها.
تستطيع بعض اللغات استعادة حضورها عندما يقرر أهلها استخدامها من جديد، وتدخل المدارس والكتب والإعلام والمحتوى الذي يصل إلى الأطفال، وتظل لغات أخرى حية رغم استخدامها في نطاق ضيق، ما دام متحدثوها ينقلونها إلى جيل جديد.
في المقابل، تنحسر اللغة التي لا تجد مكاناً في حياة الأطفال بمرور السنوات، حتى لا تبقى إلا في ذاكرة كبار السن أو تسجيلات الباحثين، وعندها لا يعود السؤال عن عدد من يعرفون بعض كلماتها، بل عما إذا كان هناك من يستطيع أن يبدأ بها حديثاً ويجد من يجيبه.






























