"رؤية 2030": كيف اصطدمت مشاريع السعودية العملاقة بحدود الواقع؟

    • Author, سيباستيان آشر
    • Role, مراسل الشؤون العالمية
  • Published
  • مدة القراءة: 10 دقائق

كان الملوك المستبدون يتركون في الماضي صدى مجدهم في أطلال المشاريع الضخمة التي أمروا بتشييدها في ذروة سلطتهم المطلقة. ويمكن العثور على تلك الآثار المادية الهائلة في السهول الخصبة، وعلى سفوح الجبال، وفي صحارى الشرق الأوسط. لكن أحد أبرز نظرائهم المعاصرين قد لا يترك، بالنسبة إلى بعض أكثر أفكاره طموحاً، سوى أثرٍ رقمي.

قبل عقد من الزمن، أمر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، المعروف على نطاق واسع اختصاراً بـ"إم بي إس"، بإعادة تصور بلاده في مشروع بدا كأنه من عالم الخيال العلمي. وحمل هذا المشروع اسم "رؤية 2030". وكان من المفترض أن تسهم منشآت استثنائية ذات طابع ضخم وأحادي الشكل في إطلاق عجائب تكنولوجية جديدة، لا للمملكة وحدها، بل للعالم بأسره.

وتجسدت تلك الأفكار في مواد دعائية فاخرة استحضرت مشاهد ومناظر أقرب إلى الخيال، وجذبت كماً هائلاً من التغطيات التي مزجت بين الانبهار والسخرية. وقد أتاح ذلك صندوق الثروة السيادي السعودي، صندوق الاستثمارات العامة الذي تقترب قيمته من تريليون دولار، والذي تعتمد ثرواته إلى حد بعيد على النفط، وكان يراد استخدام هذه الثروات لبناء أسس مستقبل لا يعتمد على النفط.

قبل أربع سنوات من حلول عام 2030، يبدو أن الزخم تراجع الآن، وربما كما كان متوقعاً. ويعود ذلك جزئياً إلى ضغوط مالية، إذ إن الانخفاض الحاد في أسعار النفط قبل الحرب الحالية في الشرق الأوسط أضرّ حتى بالثروة السعودية الهائلة.

ورغم أن الأسعار عادت إلى الارتفاع بفعل الحرب، فإن حالة عدم اليقين التي أوجدها النزاع ستظل تقيّد إيرادات السعودية وإنفاقها. كما أن تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى هذه المشاريع الرؤيوية الباهظة لم يتحقق قط بالمستوى الذي كانت المملكة تراهن عليه.

لكن هل ما يحدث هو إعادة ضبط للمسار، أم تراجع عنه؟

من الخيال إلى الواقعية

خفّضت طموحات بعض أكثر المشاريع لفتاً للانتباه، أو علّقت، أو ألغيت. ويندرج عدد من هذه المشاريع تحت مظلة مشروع "نيوم" العملاق، البالغة كلفته 500 مليار دولار، وهي مظلة واسعة كادت تشمل كل شيء.

أما مشروع "ذا لاين"، الذي قدّم بوصفه إعادة تعريف لمفهوم المدينة، عبر امتداده في خط مستقيم صارم لأكثر من 100 ميل، أي 161 كيلومتراً، فوق أراضٍ غير مستغلة في شمال غربي السعودية، وبعلو يتجاوز ارتفاع برج "ذا شارد" في لندن، فيبدو اليوم أقرب إلى مشروع عادي جداً.

كما جرى تقليص مشروع منتجع "تروجينا" الشتوي في جبال شمال غربي المملكة. صحيح أن الثلوج تتساقط هناك، خلافاً للصورة النمطية عن السعودية كصحراء قاحلة، لكنها لا تبقى طويلاً. ومع ذلك، وصلت فكرة إنشاء منتجع جبلي يعمل طوال العام إلى مستوى من الاصطناع لم يعد ينظر إليه على أنه قابل للاستمرار.

وكانت الخطة تشمل إنشاء منحدرات تزلج تمتد أميالاً، وقرية تزلج متكاملة تضم بحيرة اصطناعية وفنادق ومتاجر فاخرة، في ما يشبه نسخة مصغّرة من منتجع سان موريتز السويسري في جبال الجزيرة العربية. وكان يفترض أن يكون المشروع جاهزاً لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029، لكن ذلك لم يعد قائماً، بعد نقل الألعاب إلى كازاخستان بدلاً من السعودية.

أما مشروع "المكعب"، وهو مبنى ضخم يضم شققاً ومكاتب، وكان يمكنه أن يستوعب مبنى إمباير ستيت الأميركي عشرين مرة، فقد جرى التخلي عنه بالكامل. وكانت كلفته المقدّرة تبلغ نحو 50 مليار دولار.

وفي الآونة الأخيرة، أعيد أيضاً تقييم أحد المشاريع التي كانت تعتبر من أبرز جواهر طموح المملكة الجامح للتحول إلى قوة رياضية عالمية من الصفر، وهو دوري "ليف غولف"، باعتباره مشروعاً باهظ الكلفة وفاشلاً، إذ بلغت تكلفته حتى الآن نحو خمسة مليارات دولار من دون أن يحقق عائداً مالياً أو مكسباً على مستوى السمعة.

وترى بعض الشخصيات التي تابعت السعودية لسنوات طويلة، مثل الكاتبة إلين آر والد، مؤلفة كتاب "سعودي. إنك"، أن المشهد ليس جديداً.

وتقول: "إنها الخطة نفسها، والقصة نفسها تتكرر مع مشروع "ذا لاين". يقولون: سنبني هذا المشروع الضخم. ثم فجأة يقولون: حسناً، سنقلصه كثيراً. ويتكرر الأمر مرة بعد أخرى، بل إن هذا النهج قائم منذ ما قبل محمد بن سلمان. يعلنون مشاريع ضخمة وبراقة للغاية، ثم إما لا تُبنى أساساً، أو تُنفذ بنسخة أصغر بكثير، أو بطريقة مختلفة تماماً عما وعد به".

وتستعيد والد تجربة المدن الجديدة التي كان يفترض بناؤها في العقد الأول من الألفية، في عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

فقد كان برنامج "المدن الاقتصادية" يهدف أيضاً إلى تنويع الاقتصاد السعودي بعيداً عن النفط، وهو هدف ظلّ ضرورة ملحّة في المملكة على مدى عقود. فالاعتماد شبه الكامل على مورد طبيعي واحد لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وطالما شكّل عقبة أمام بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومتانة.

لكن النتائج جاءت مخيبة إلى حد كبير، رغم إنفاق مليارات الدولارات. فلم ينطلق عدد من المدن المقترحة أصلاً، فيما أُعيد تصور بعضها الآخر كمشاريع أكثر تواضعاً. أما أكبرها، مدينة الملك عبد الله الاقتصادية البالغة كلفتها 100 مليار دولار على ساحل البحر الأحمر شمال جدة، فقد أبصرت النور فعلاً، لكن الهدف المتمثل في تحويلها إلى مركز للأعمال والسياحة لم يتحقق.

وكان الأمل أن تجذب هذه المشاريع استثمارات أجنبية جديدة كبرى، وأن تخلق وظائف حقيقية، خارج القطاع الحكومي المتكلّس، للسكان الشباب في السعودية، وهم فئة كبيرة ومتزايدة باستمرار. لكن بحلول عام 2016، ظل معدل البطالة عند نحو 12 في المئة.

وترى والد أن هناك إخفاقاً أساسياً لدى المسؤولين عن هذه المشاريع في تبنّي نظرة واقعية إلى إمكاناتها. وتقول: "أين كانوا يظنون أن السوق موجودة؟ من قال لهم إن هذا ممكن؟ هناك ذهنية واضحة قائمة على قول "نعم" دائماً. تجد أشخاصاً يقولون للملك ما يريد سماعه. وهذا ينطبق أيضاً على المستشارين، لأنهم يريدون العقود الضخمة. لذلك سيقولون ما يعتقدون أن عملاءهم السعوديين يريدون سماعه، ثم تأتي هذه المشاريع دون التوقعات".

وهذا النمط يعود إلى عقود، إذ غالباً ما لا ترغب الشركات الأجنبية في المخاطرة بالعقود المربحة للغاية التي حصلت عليها عبر طرح الأسئلة.

تغيير جارف

يرى البعض أنه عندما أصبح محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة عام 2017، ورث نظاماً كان بحاجة ماسّة إلى إصلاح شامل.

ويقول غانم نسيبة، وهو محلل اقتصادي تابع التحولات في السعودية لسنوات، إن محمد بن سلمان ورث "نظاماً اجتماعياً واقتصادياً كان بعيداً جداً عن العالم الحديث"، وكان "يتجه نحو ركود كامل".

وقد صمّمت "رؤية 2030" لتغيير السعودية على ثلاثة مستويات: اقتصادياً وسياسياً، ولكن اجتماعياً أيضاً. ويضيف: "كان الأمر بالغ الصعوبة بالنسبة إليهم، لأنهم كانوا بحاجة إلى تنفيذ هذه التحولات بالتوازي".

كان محمد بن سلمان ومستشاروه ينظرون إلى الرقابة الاجتماعية التي تمارسها القيادة الدينية القوية والمحافظة جداً في السعودية على أنها عقبة كبرى أمام قدرة البلاد على تحقيق كامل إمكاناتها الاقتصادية. وقدّم التغيير السياسي في عهده بوصفه انتقالاً للسلطة، للمرة الأولى، إلى جيل أصغر سناً وأكثر ديناميكية. لكن ذلك لم يعنِ فتح أي مساحة جديدة للنقاش السياسي.

بل إن محمد بن سلمان نفسه، كما يقرّ نسيبة، كان مسؤولاً عن بعض العوامل التي أعاقت نطاق التغيير وسرعته، وألقت في الوقت نفسه بظل طويل على حكمه.

فمع تحوله إلى الحاكم الفعلي للبلاد عام 2017، أمر باحتجاز جماعي لمسؤولين ورجال أعمال من نخبة السعودية في فندق ريتز كارلتون في الرياض. وقدّمت الحكومة السعودية الحملة على أنها مكافحة للفساد، لكن آخرين رأوا فيها عملية ابتزاز واسعة. ثم جاء القتل الوحشي للصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018، ليترك وصمة على سمعة ولي العهد، ربما خفت أثرها مع الوقت، لكنها لم تمح.

ومن السعوديين الذين خبروا مباشرة طريقة تعامل السلطات مع المعارضة عبد الله العودة، وهو أكاديمي وناشط حقوقي مقيم في الولايات المتحدة. فوالده، سلمان العودة، وهو عالم دين سعودي بارز، محتجز في السجن منذ عام 2017 بتهم من بينها "إثارة الاضطرابات".

ويعتقد عبد الله أن وقائع مثل حملة ريتز كارلتون جاءت بنتائج عكسية على هدف تمويل "رؤية 2030"، حتى لو كان المحتجزون في ذلك "القفص المذهب" قد دفعوا ما يقدّر بنحو 100 مليار دولار.

قال: "أدى ذلك فعلياً إلى إخافة المستثمرين على المدى الطويل. كما أثّر كل هذا القمع في نظرة المستثمرين إلى السعودية، بوصفها حكومة ودولة تفتقر إلى ما يبحث عنه المستثمرون، أي وضوح القواعد واستقرارها. فعندما يغيب هذا الاستقرار، يمكن أن تكون مستثمراً في يوم، ومحتجزاً تعسفياً في اليوم التالي. وهذا ما لا يريده أحد".

ساعدت "رؤية 2030" في تغيير طريقة الحديث عن السعودية. وساهمت في ذلك أيضاً الفعاليات الرياضية والترفيهية الكبرى التي بدأت تصل إلى المملكة منذ عام 2016، وغيّرت إلى حد كبير واقعها الداخلي وصورتها في الخارج. ولم يكن كل ذلك مجرد واجهة، فخطوات لافتة مثل السماح للنساء بقيادة السيارة أحدثت تغييراً حقيقياً في المجتمع السعودي.

إلى درجة أن مؤثرة سعودية بارزة في مجال الموضة تقيم في الولايات المتحدة أخبرتني أن صديقاتها السعوديات كنّ يسخرن منها بسبب مواقفها التي يعتبرنها متأخرة عن العصر، في كل مرة كانت تزور فيها المملكة.

لكن قضايا حقوق الإنسان ظلت تُلقي بظلالها على هذه التغييرات. فمع دخول محمد بن سلمان وصندوق الثروة السيادي السعودي مجالاً جديداً تلو آخر، تزايدت الاتهامات بـ"الغسيل الرياضي" و"الغسيل الفني" و"الغسيل الأخضر" وما إلى ذلك.

وقد أبدى كثير من الشخصيات البارزة في عالمي الرياضة والترفيه استعدادهم للظهور في السعودية، لكن آخرين رفضوا ذلك، مستندين إلى سجلها في مجال حقوق الإنسان. وتوافد آلاف المشجعين إلى الرياض لحضور فعاليات مثل سباقات السيارات والملاكمة، غير أن سياحاً محتملين آخرين أحجمتهم النظرة السلبية إلى المملكة.

لكن ذلك لا ينفي أن طموحات محمد بن سلمان كانت، بالنسبة إلى كثير من الشباب السعوديين، مُلهِمة وتحظى بشعبية.

إنقاذ رؤية 2030

إنقاذ "رؤية 2030"

تُقدّم السلطات السعودية الخفض الكبير في الإنفاق على بعض أكثر المشاريع بريقاً بأفضل صورة ممكنة، رغم أنه يبدو من الخارج، ولو جزئياً، كأنه إقرار بالتعثر.

ويقول عبد الله: "الفكرة الآن هي تحقيق مكاسب صغيرة، ونجاحات محدودة هنا وهناك، بدلاً من الرهان على المشاريع العملاقة. فمنتجع سندالة، مثلاً، على إحدى جزر البحر الأحمر، يمكن تقديمه كمكسب صغير. هو في جوهره منتجع تقليدي جداً، لكن يمكن عرضه باعتباره جزءاً من الرؤية، بدلاً من مشاريع مثل "ذا لاين" و"المكعب". وبذلك يمكن القول إن هذه المشاريع تشكل أساس نيوم، من دون الحاجة إلى تنفيذ المشروع كاملاً".

وهذا ينسجم مع ما بدأت السلطات السعودية تقوله. فقد قال محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، مؤخراً إن الصندوق سيركز، ضمن خطة خمسية جديدة، على "رفع كفاءة الإنفاق والمصروفات، مع تقييم مستدام لأداء أعماله، بما يحقق التوازن ويضمن استدامة موارده المالية".

ويرى بعض المحللين أن إعادة ترتيب الأولويات هذه تمثل، في جوهرها، أفضل خيار متاح أمام السلطات السعودية، وطريقة لإنقاذ "رؤية 2030" نفسها.

أما ثامر شاكر، وهو رجل أعمال سعودي بارز ومستشار إداري، فيقرأ المشهد بطريقة مختلفة. ويقول: "ما نراه هو انتقال طبيعي من مرحلة قادها الطموح إلى مرحلة يقودها التنفيذ. فكل تحول وطني كبير يصل إلى نقطة تصبح فيها الأولويات، وتسلسل المراحل، وتوزيع الموارد، أهم من حجم الإعلانات نفسها".

وسيستمر العمل على بعض المشاريع الكبرى، خصوصاً تلك التي لا تبدو أقرب إلى الخيال العلمي. ويشمل ذلك إعادة تطوير الدرعية، العاصمة السعودية القديمة، وإحياءها في الرياض، إلى جانب مدينة "سيكس فلاغز القدية" الترفيهية الضخمة والمتطورة قرب العاصمة السعودية.

أما تطوير موقع العلا الأثري في شمال البلاد، المعروف بآثاره النبطية التي تضاهي البتراء، فيعدّ نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه هذه المشاريع حين تنفّذ بنجاح.

وقد كلّف مشروع تحويل هذه الزاوية، التي كانت منسية يوماً ما في المملكة، إلى واجهة بارزة لهويتها الوطنية والثقافية الجديدة عدة مليارات من الدولارات حتى الآن. وخصّصت مليارات أخرى لتطويرها أكثر، ومحاولة جعلها مركزاً سياحياً عالمياً. ويبدو هذا هدفاً أكثر قابلية للتحقق من مشروع مثل "ذا لاين".

وفي مجال الرياضة، نجحت السعودية بالطبع في الحصول على واحدة من أكبر الجوائز: استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2034. ولا شك في أن محمد بن سلمان سيحاول أن يمنح التصاميم طابعاً رؤيوياً، وإن كانت بعض الأفكار الأكثر طموحاً قد قُلّصت، على ما يبدو، في محاولة لإبقاء التكاليف تحت قدر من السيطرة.

يحاول المسؤولون السعوديون بوضوح تقديم هذا القدر النسبي من الانفتاح بشأن تعديل مسار "رؤية 2030" باعتباره قطيعة مع ممارسات سابقة اتسمت بالكتمان والتعتيم. والانطباع الذي يريدون ترسيخه هو أنهم أقرّوا بالأخطاء وصححوا المسار.

ويقول ماتي سالاي، المتخصص في الديناميات السياسية والاقتصادية في الخليج، إن ذلك مفيد إلى حد ما بالنسبة إلى السياسيين والدبلوماسيين الأجانب.

ويضيف: "بالنسبة إليهم، فإن اعتراف السعوديين، ولو جزئياً، بأخطائهم والحديث عنها يُعدّ بالتأكيد مؤشراً إيجابياً. لكنني لا أعتقد أن ذلك يذهب إلى المدى الذي يريده معظم المستثمرين وأصحاب المصلحة".

أما رجل الأعمال السعودي ثامر شاكر فيبدو أكثر تفاؤلاً. ويقول: "في كثير من الحالات، يمكن لترتيب الأولويات بانضباط أن يزيد ثقة المستثمرين فعلاً... فالنقاش دولياً ينتقل أكثر فأكثر من سؤال: ما حجم الإعلانات؟ إلى سؤال: ما مدى صدقية نموذج التنفيذ؟"

إغلاق الصنبور

كانت مراجعة "رؤية 2030" قد بدأت بالفعل قبل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. لكن الحرب أحدثت صدمة في الوضع القائم في منطقة الخليج، وأثارت شكوكاً حول الاستراتيجية التي قادتها الإمارات، والقائمة على التحول إلى مركز تجاري وسياحي عالمي. وهي استراتيجية كانت السعودية تريد بوضوح أن تحاكيها، بل أن تتفوق عليها.

ويقول سالاي إن الحرب، التي اندلعت بعد أشهر قليلة من بدء السعودية إعادة ضبط مسار الرؤية، زادت الغموض بشأن اتجاهها المستقبلي.

ويضيف: "قبل الحرب، كانت المجالات الأساسية التي أرادت السعودية جذب مزيد من الاستثمارات إليها هي الذكاء الاصطناعي، ومشاريع عملية أخرى في السياحة والتصنيع والتعدين وبعض الصناعات المحلية. لكن الحرب أثّرت بشدة في كل هذه المجالات، باستثناء التعدين.

"قبل الحرب، كانت الرسالة الأساسية أن نيوم ستتحول إلى مركز لصناعات الذكاء الاصطناعي. وهذا مفهوم في سياق الحرب، لكنه يكشف أيضاً أن الرسالة الرئيسية تتبدل شهرياً تقريباً، بما يوحي بقدر من التخبط الاستراتيجي. وفي الوقت نفسه، يحمل ذلك مؤشراً إيجابياً: فالمسؤولون السعوديون يعرفون أنهم بحاجة إلى خطة جديدة".

لقد ساعدت "رؤية 2030" في بروز سعودية مختلفة، يحتفي بها البعض وينتقدها آخرون.

لكن إذا كان هذا التحول يقوم على ثلاثة أعمدة، فالطريق لا يزال طويلاً.

فعلى المستوى السياسي، لا يزال التعامل مع المعارضة شديد القسوة كما كان دائماً.

واجتماعياً، شهدت البلاد تغييرات كبيرة بدّلت فعلاً شكل الحياة في مدن مثل الرياض. وقد دفع ذلك السعوديين إلى إنفاق مزيد من المال داخل بلدهم على أنشطة ترفيهية كثيرة لم تكن موجودة أصلاً قبل عشرين عاماً.

أما اقتصادياً، فكان يفترض بالمشاريع العملاقة ضمن "رؤية 2030" أن تدفع البلاد نحو مستقبل تصبح فيه الاستثمارات الخاصة والأجنبية رديفاً للثروة النفطية الهائلة للدولة. لكن ذلك لم يتحقق إلا جزئياً.

وبالنسبة إلى القيادة السعودية، لا تزال الرؤية تُقدَّم بالطبع كقصة نجاح، حتى إن لم تبلغ الحجم الذي كان متخيلاً في البداية. فبقدر ما يريد محمد بن سلمان أن يُنظر إليه كصاحب رؤية، يبدو واضحاً أنه ومن حوله يريدون أيضاً أن يظهروا بمظهر العمليين والبراغماتيين عند الضرورة.