You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
عائلات تنتظر إجابات: مصير آلاف المفقودين في غزة ما زال مجهولاً
- Author, جون دونيسون
- Reporting from, القدس
- Published
- مدة القراءة: 5 دقائق
بدا أحمد المدهون، كأي شاب صغير، عاشقاً ومقبلاً على الحياة رغم كل ما مر به. كان ممتلئ الجسم، يحب المرح، وذا ابتسامة مشرقة.
من منزلها المدمر جزئياً في مدينة غزة، عرضت والدته مجدية لنا مقاطع فيديو خاصة به على هاتفها.
في أحد الفيديوهات، يظهر أحمد وهو يداعب قطة صغيرة، ويخرج لسانه ويصرخ فرحاً. وفي آخر، يقفز على بطنه في حوض السباحة، ثم يخرج من الماء مبتسماً ابتسامة عريضة.
"كان الجميع أصدقاءه"، هكذا قالت مجدية لبي بي سي. "كان محبوباً أينما ذهب، وكانت الابتسامة لا تفارق وجهه".
لكن أحمد، المصاب بمتلازمة داون، مفقود حالياً. اختفى أحمد البالغ من العمر 21 عاماً في مايو/أيار 2025 بعد ذهابه إلى متجر بالقرب من منزله.
كانت الحرب في غزة لا تزال مستعرة بين حماس وإسرائيل، في ذلك الوقت.
وخلال اليوم الذي فُقد فيه، شنّت إسرائيل غارات جوية على المنطقة، وتخشى أمه مجدية أن يكون قد قُتل. لكنها ليست متيقنة من ذلك.
تقول "يا إلهي، أنا لستُ مطمئنة. لم أفقد الأمل، لكنني لن أشعر بالراحة إلا عندما يعثرون عليه، سواء كان حياً أو ميتاً، أو حتى مدفوناً تحت الأنقاض".
تشعر الأمهات في جميع أنحاء غزة بألم مماثل لألم مجدية.
فقد قُتل أكثر من 73 ألف شخص في غزة منذ أن شنّت إسرائيل حملتها العسكرية، بما في ذلك حوالي 1200 شخص منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية في القطاع. وهي أرقام تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة.
وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية في يناير/كانون الثاني بأن مصدراً أمنياً إسرائيلياً رفيع المستوى قال إن الجيش يقرّ بدقة هذه الأرقام.
لكن العدد الحقيقي للقتلى الفلسطينيين قد يكون أعلى بكثير، إذ لا تشمل إحصاءات وزارة الصحة الجثث المدفونة تحت الأنقاض، ما يعني أن العديد من المفقودين غير مدرجين في هذا الإحصاء.
وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها تلقت أكثر من 5000 طلب للبحث عن مفقودين يُحتمل أن يكونوا مدفونين تحت الأنقاض. وتعتقد هيئة الدفاع المدني في غزة أن عدد المفقودين يتجاوز 8000 شخص.
ولا تزال الجثث تُكتشف بشكل يومي.
في وقت سابق من هذا الشهر، أقيمت جنازة جماعية في مدينة غزة لأكثر من مائة شخص قُتلوا في هجوم إسرائيلي عام 2023. ولم ينتُشل رفاتهم وتُحدد هوياتهم إلا مؤخراً، ما أتاح دفنهم.
ويقول الصليب الأحمر إن انتشال الجثث أمر بالغ الصعوبة نظراً لحجم الدمار ونقص الجرّافات.
في كثير من الحالات، يصبح تحديد هوية الرفات أمراً معقداً أيضاً، خصوصاً بعد مرور فترة طويلة على الوفاة، إلى جانب نقص اختبارات الحمض النووي، وذلك بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على ما يمكن أن يدخل غزة.
وتعرف عائلة أحمد المدهون أنه ربما يكون قد قُتل، لكنهم يخشون أيضاً أنه ربما يكون قد تم اعتقاله من قِبل قوات الأمن الإسرائيلية.
وعلى مدى ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب، اعتقلت القوات الإسرائيلية نحو سبعة آلاف فلسطيني من غزة، وأُطلق سراح أكثر من خمسة آلاف منهم لاحقاً دون أن توجّه إليهم أي تهم، وفقاً للّجنة العامة لمناهضة التعذيب التي تتخذ من إسرائيل مقراً لها.
وحتى هذا الشهر، كان نحو 1300 معتقل من غزة محتجزين في السجون الإسرائيلية دون توجيه اتهام أو محاكمة، وفقاً لمنظمة هموكيد الإسرائيلية لحقوق الإنسان. وتقول المنظمة إن هذه الأرقام لا تشمل المعتقلين من غزة، الذين تحتجزهم القوات الإسرائيلية مباشرة.
وبحسب منظمة هموكيد، وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، فإن العائلات الفلسطينية غالباً لا يتم إخطارها من قِبل إسرائيل باعتقال أقاربها أو بمكان وجودهم، ما يجبر الكثيرين على الاعتماد على المنظمات غير الحكومية والمحامين للمساعدة في تعقّبهم.
سألت بي بي سي الجيش الإسرائيلي ودائرة السجون الإسرائيلية عن التقارير التي تتحدث عن مزاعم فشلهما في إبلاغ ذوي المعتقلين بمصير أقاربهم.
وقد صرحت السلطات الإسرائيلية سابقاً بأن عمليات الاحتجاز المطولة تعود إلى أسباب أمنية في زمن الحرب، ورفضت الادعاءات بأن عمليات الاحتجاز تعسفية.
ومن حي الصبرة في مدينة غزة تعرض لنا عايدة الدرميلي، صورة لابنها محمود، وهو شاب بملامح نضرة ويلف حول عنقه كوفية.
تقول عايدة "لقد كان شاباً هادئاً حسن الخلق. يحب الجميع والجميع يحبه".
لكن محمود اختفى في عام 2024. وخشيت عائلته من أن يكون قد قُتل في هجوم إسرائيلي.
تقول عايدة "كان والده يذهب إلى المستشفيات وينظر إلى الجثث. لكنني لم أستطع مواجهة ذلك. لقد كنت محطمة تماماً".
لكن في صيف هذا العام، ظهرت صورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر جنديين إسرائيليين يقفان مع معتقل فلسطيني معصوب العينين ومقيد اليدين.
وتؤكد عايدة أن محمود هو من في الصورة.
وتقول "من ملامحه، من جبهته، وفمه، وأنفه، وطريقة جلوسه، وطريقة إغلاقه لفمه، ويديه، وساقيه من الأسفل. له نفس ملامح ابني تماماً".
لكنها تعرف أن صورة واحدة لا تكفي للجزم بذلك.
وتقول "عندما جلس زوجي وأراني الصورة، شعرت بالارتياح. لكن في الوقت نفسه، كنت مستاءة للغاية وانكسر قلبي عندما رأيت ابني بهذا الشكل. لقد كان الأمر مهيناً".
وتؤكد كل من عائلة الدرميلي وعائلة المدهون أنهما لا ينتميان ولا أبناؤهما إلى حماس أو أي من الجماعات المسلحة في غزة.
وعندما سألت بي بي سي مصلحة السجون الإسرائيلية عن الشابين، فأجابت بأنه لا يوجد لديها أي سجل باحتجاز أي منهما.
وعند توجيه السؤال نفسه إلى الجيش الإسرائيلي الذي يدير أيضاً مراكز الاحتجاز والسجون، لم يقدم أي رد.
ولا تسمح إسرائيل للصحفيين الدوليين، بمن فيهم بي بي سي، بدخول غزة بشكل مستقل.
وطلبت عائلة الدرميلي من الصليب الأحمر محاولة معرفة ما إذا كان محمود قد اعتُقل. لكن إسرائيل لا تسمح للصليب الأحمر بالاطلاع على سجلات سجونها.
وقالت تال شتاينر، المحامية الإسرائيلية التي تعمل على تحديد مكان الفلسطينيين الذين ربما تكون إسرائيل قد احتجزتهم، لبي بي سي: "لقد غيّر السابع من أكتوبر/ تشرين الأول كل شيء".
وأضافت "إن حظر زيارة الصليب الأحمر الدولي للسجون، وحقيقة أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها لا تحتفظ بقوائم بأسماء الأشخاص المحتجزين لدى إسرائيل، يعني أننا مضطرون إلى تتبعهم فرداً فرداً، بناءً على طلب عائلاتهم. وهذا يمثل ضغطاً كبيراً يحدّ من قدرتنا في العثور على هؤلاء الأشخاص اليوم".
وتقول تال إن أصعب ما يواجه العائلات هو عدم معرفة الحقيقة وما سيحدث.
وتوضح "إنه جرح مفتوح. لا يلتئم. لا يجدون راحة وهم لا يعرفون حتى ما إذا كان قريبهم حياً أم ميتاً".
وتقول إن إسرائيل جعلت، خلال السنوات الثلاث الماضية، من عملية تعقّب الفلسطينيين الذين يُحتمل أن يكونوا محتجزين لديها أكثر صعوبة بكثير.
وتضيف "بالنسبة لأولئك الذين لا يعرفون مكان وجود أفراد عائلاتهم، فإن ذلك يزيد الطين بلة. إنه وضع نفسي صعب للغاية قد يستمر لأشهر وسنوات".