You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
لقاحات لا تحتاج إلى التبريد: ابتكار قد يحد من هدر نصف اللقاحات عالمياً
- Author, جيمس غالاغر
- Role, جيمس غالاغر مراسل الشؤون الصحية والعلمية بي بي سي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
نجح علماء بريطانيون للمرة الأولى في اختبار لقاح لا يتطلب الحفظ داخل الثلاجات على متطوعين، في خطوة قد تُحدث تحولاً في طرق تخزين اللقاحات ونقلها، وتقلل من كميات الجرعات التي تُهدر سنوياً.
وتعتمد معظم اللقاحات المستخدمة حالياً على سلسلة تبريد صارمة، إذ يجب حفظها في درجات حرارة منخفضة أو مجمدة منذ إنتاجها وحتى إعطائها للمريض. غير أن هذه المتطلبات تؤدي إلى فقدان نحو نصف كمية اللقاحات سنوياً، نتيجة تعرّضها لدرجات حرارة مرتفعة أو منخفضة خارج النطاق المسموح، ما يجعلها غير صالحة للاستخدام.
وخلال الاختبار، الذي شارك فيه 60 متطوعاً، نجحت شركة ستيبل فارما في تحويل لقاح الكزاز والدفتيريا من صورته السائلة إلى تركيبة جافة يمكن حفظها في درجة حرارة الغرفة لمدة عام كامل. وعند الحاجة لاستخدامه يتم خلطه بالماء قبل إعطائه للمشاركين، في تجربة هدفت إلى تقييم فعاليته وسلامته دون الحاجة إلى التبريد.
تحديات "سلسلة التبريد"
تتطلب اللقاحات في كثير من الأحيان رقابة صارمة على درجات الحرارة أثناء مراحل التخزين والنقل، بدءاً من لحظة تصنيعها وحتى وصولها إلى ذراع المريض لتلقي الجرعة.
يُعرف هذا النظام باسم "سلسلة التبريد"، وهو يمثل تحدياً كبيراً خصوصاً في أفقر مناطق العالم وأكثرها عزلة، وكذلك في مناطق الحروب والنزاعات، حيث قد تكون أجهزة التبريد محدودة، كما قد تكون إمدادات الكهرباء غير مستقرة.
ويعمل المعهد الوطني البريطاني للبحوث الصحية والرعاية على اختبار نهج جديد يتيح حفظ اللقاحات دون الحاجة إلى التبريد، في محاولة للتغلب على هذه التحديات.
وتستند التقنية الجديدة إلى إلهام مستمَدّ من "نباتات القيامة" التي تذبل وتنمحي منها ملامح الحياة أثناء فترات الجفاف، وتدخل في حالة سكون شديد أو موت ظاهري تفقد خلاله ما قد يبلغ 95 في المئة من مياهها، وذلك قبل أن تعاود "البعث" والنشاط فور هطول الأمطار.
وتنتج هذه النباتات كميات كبيرة من سكر يُعرف باسم التريهالوز، الذي يساعد على تثبيت خلاياها وحمايتها خلال فترات الجفاف.
وفي إطار التجربة، جرى تجفيف لقاح الكزاز والدفتيريا باستخدام التريهالوز بهدف حماية مكوناته الأساسية والحفاظ على فعاليته أثناء التخزين.
وقال البروفيسور سول فوست، مدير مرفق البحوث السريرية التابع للمعهد في مدينة ساوثهامبتون، إن النتائج الأولية أظهرت أن اللقاح المجفف ولّد استجابة مناعية مماثلة لتلك التي يوفرها اللقاح التقليدي، كما أثبت أنه آمن وجيد التحمل لدى المشاركين في المرحلة المبكرة من التجارب.
وأضاف أن هذه التقنية "قد تفتح المجال للتخلص من الاعتماد على سلسلة التبريد، والحد من هدر اللقاحات، وتوسيع نطاق الوصول إليها".
ومن المقرر أن تبدأ خلال الأشهر المقبلة مرحلة أكبر من التجارب السريرية على هذا اللقاح، بمشاركة 160 متطوعاً، على أن تمثل هذه المرحلة الخطوة الأخيرة من عملية التقييم، نظراً إلى أن اللقاح الأصلي حاصل بالفعل على التراخيص اللازمة، ولا يحتاج إلى التجارب واسعة النطاق التي تُجرى عادةً عند تطوير لقاحات جديدة كلياً.
وتهدف هذه الدراسات إلى تحقيق أحد أهداف منظمة الصحة العالمية، والمتمثل في تطوير لقاح يحتفظ بفاعليته عند درجة حرارة تبلغ 30 درجة مئوية ورطوبة نسبية تصل إلى 75 في المئة.
ويؤكد فريق البحث أن بيانات إضافية تشير إلى أن مكونات اللقاح تظل مستقرة حتى عند تعرّضها المتكرر لدرجات حرارة تتراوح بين -20 ( 20 درجة مئوية تحت الصفر) و40 درجة مئوية، وهو ما يعني أن اللقاح قد يحتفظ بفعاليته حتى بعد نقله في عنابر الشحن الباردة بالطائرات ثم في شاحنات تتعرض لدرجات حرارة مرتفعة.
ولا يقتصر هدر اللقاحات على سبب واحد، فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، ينتهي المطاف بنحو نصف اللقاحات المنتجة عالمياً إلى الإتلاف. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها التلف أثناء النقل، وانتهاء مدة الصلاحية، وعدم استخدام الجرعات المتبقية في العبوات متعددة الجرعات، إلا أن تعطل سلسلة التبريد يظل أحد أبرز أسباب هذا الهدر.
وقال البروفيسور السير جوناثان فان-تام، نائب كبير المسؤولين الطبيين السابق في إنجلترا، والذي يعمل مستشاراً لدى شركة ستيبل فارما، إنه اكتسب خبرة مباشرة في التعامل مع تحديات نقل اللقاحات أثناء عمله السابق في العيادات الميدانية بالمناطق النائية.
وأضاف متذكراً تلك التجارب " أتذكر أنني كنت أنقل اللقاحات داخل صناديق تبريد... وكنا نسلك طرقاً صعبة للغاية في مناطق تفتقر إلى الظروف الملائمة، حيث لم يكن بالإمكان ضمان الوصول من مكان إلى آخر خلال فترة زمنية قصيرة.
"وكان هناك دائماً شعور بالقلق بشأن الحفاظ على سلسلة التبريد في الوقت المناسب، حتى تصل اللقاحات إلى أذرع الأطفال الذين كانوا ينتظرون الحصول عليها".
وأوضح الباحثون أن هذه التقنية الجديدة لا يمكن تطبيقها على لقاحات الحمض النووي إم آر إن أي مثل بعض اللقاحات الحديثة، لكنها قد تكون قابلة للاستخدام مع العديد من اللقاحات الحالية، من خلال تثبيتها بواسطة سكر التريهالوز.
كما قد تمتد فوائد هذه التقنية إلى بعض الأدوية الأخرى، مثل الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، التي تحتاج حالياً إلى الحفظ في درجات حرارة منخفضة داخل الثلاجات للحفاظ على فعاليتها.
وقال البروفيسور توك سينغ وونغ، مدير مركز أبحاث تصنيع اللقاحات بين المملكة المتحدة وجنوب شرق آسيا، والذي لم يشارك في الدراسة، إن النتائج تمثل "أمراً مثيراً للغاية" و"اختراقاً مهماً في مجال العلوم البريطانية".
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هناك "عدداً من الجوانب" التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، من بينها مدى قدرة اللقاحات على الحفاظ على استقرارها عند تعرضها لتغيرات متكررة في درجات الحرارة، ومدى فعاليتها عند اختبارها على مجموعات أكبر وأكثر تنوعاً من الناحية العرقية.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة إي كلينيكال ميديسن التابعة لمجموعة دوريات لانسيت الطبية..
من جانبه، قال إفريم تيكلي ليمانغو، المدير المساعد لبرامج التحصين في منظمة اليونيسف، إن التطعيم يمثل "خدمة منقذة للحياة تعتمد على التبريد"، مضيفاً أن "هذا الابتكار قد يساعدنا على تطعيم مزيد من الأطفال، ويمهد الطريق نحو مستقبل لا تعتمد فيه اللقاحات على الثلاجات".
أما الدكتور بروس روزر، مؤسس شركة ستيبل فارما، فقال إن "اللقاحات الموثوقة والآمنة التي لا تحتاج إلى التبريد يمكن أن تشكل تحولاً جذرياً في مجال الصحة العالمية، من خلال مساعدة اللقاحات المنقذة للحياة على الوصول إلى ملايين الأشخاص الإظافيين أينما كانوا، وجعل برامج التحصين أكثر استدامة وموثوقية وعدالة للأجيال القادمة".