سوريا تودع ليرتها القديمة لكن تطبيق "حذف الصفرين" يتعثّر في الشارع

- Author, هيبار عثمان
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Reporting from, دمشق
- Published
- مدة القراءة: 5 دقائق
في ظهيرة يوم عادي في سوق "الشيخ سعد" بحي المزة غربي العاصمة دمشق، يقف المواطن محمد أبو عمر حاملاً أكياس الخبز، مستسلماً لخسارة يومية تتكرر في رحلته ذهاباً وإياباً إلى عمله: نحو مئة ليرة سورية جديدة، ما يعادل زهاء 77 سنتًا بحسب سعر الصرف السائد، تتلاشى يومياً لا لشيء إلا لأن سائق الحافلة أو بائع الخضار لا يملك "فكّة" لإرجاع المتبقي من الحساب.
تعود هذه الخسارة إلى عوامل ترتبط بطريقة تنفيذ عملية استبدال العملة وتكشف الفجوة بين التخطيط المالي المركزي والواقع اليومي للشارع، إذ قررت الحكومة الانتقالية في دمشق إنهاء مرحلة الانتقال النقدي بإلغائها التعامل بالأوراق القديمة التي حملت صور عائلة الأسد وحذفها صفرين من القيمة الاسمية، فطرحت ست فئات كبرى وأغفلت طباعة الفئات الصغيرة (كفئتي 10 و25 ليرة، فضلاً عن فئتي 1 و5 ليرات) نظرًا لكون كلفة طباعة الورقة النقدية تتجاوز قيمتها؛ ونتيجة لهذه الهندسة المالية، بات على المواطن ذي الدخل المحدود أن يتحمل كلفة "تضخم قسري خفي" يقتطع من قوته اليومي.
وفي حي المزة أيضا يؤكد أحد سائقي وسائل النقل العامة، مفضلا عدم الكشف عن اسمه، لفريق بي بي سي نيوز عربي في سوريا، أنه لا يزال يتعامل بفئة الخمسمائة ليرة القديمة لأنه لم يُطبع لها بديل في العملة الجديدة، مبيناً أنه لا يزال يأخذها من الركاب ويعيدها لهم لتيسير الأمور رغم أنها باتت غير صالحة للتداول اليومي.

وكان حاكم المصرف المركزي، محمد صفوت رسلان، قد أعلن تمديد مدة سحب العملة السورية القديمة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة شمال شرقي البلاد حتى العشرين من أغسطس/ آب الجاري، عبر فروع مصرف سوريا المركزي ومنافذ المؤسسة السورية للبريد المعتمدة.
وجاء قرار التمديد بعد احتجاجات خرجت خلال اليومين الماضيين في الرقة وريفها وكذلك أمام مبنى محافظة الحسكة بالإضافة إلى تجمعات غاضبة خرجت في القورية وبلدة ذيبان في ريف محافظة دير الزور، حيث طالب المحتجون بإيجاد حلول لمشكلة نقص العملة الجديدة وقلة مراكز التبديل في تلك المناطق.
سوريا تودع ليرتها القديمة

صدر الصورة، Getty Images
تنتهي مهلة استبدال العملة القديمة في بقية المحافظات الخميس المقبل، وبعد انتهاء هذه المدة ستستمر عملية سحب العملة السورية القديمة التي تحوي فئات منها على صور آل الأسد، لمدة خمس سنوات عبر مصرف سوريا المركزي في دمشق حصراً.
وتشهد الأسواق المحلية ووسائل النقل العامة والمراكز الصحية الخاصة ومحطات الوقود في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة شمال شرقي سوريا، فوضى بسبب وقف تداول العملة القديمة فضلاً عن قلة الأوراق النقدية الجديدة في تلك المحافظات، ولا سيما أن المواطنين هناك لم يتمكنوا خلال الأشهر السبعة الماضية من استبدال الفئات القديمة من العملة السورية التي يمتلكونها وسط قلة مراكز الصرف الحكومية في تلك المناطق.

وأكد أسامة الخلف، صحفي من مدينة الرقة شمال شرقي سوريا، في رسالة صوتية لفريق بي بي سي نيوز عربي في دمشق، أن مركز بريد مدينة الرقة ومركز بريد مدينة الطبقة في المحافظة نفسها يشهدان ازدحاماً شديداً لأنهما لا يغطيان حاجة تلك المنطقة التي يقطنها مئات الآلاف من السوريين، حسب تعبيره.
وأشار أسامة الخلف إلى أن محلات الصرافة في المحافظات الشرقية باتت تستغل أزمة شح الأوراق النقدية الجديدة في تلك المناطق وسط غياب الرقابة على عمليات التصريف في محافظة الرقة، فسعر صرف الدولار الواحد لديهم يعادل نحو 14000 ليرة سورية قديمة، بينما يقدر سعر صرف الدولار الواحد بـ 129 ليرة سورية جديدة التي جرى حذف صفرين منها، وهذا الأمر حمّل الأهالي خسائر إضافية في وقت يعانون فيه من أزمات معيشية، حسب وصفه.

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وقالت قيادة قوى الأمن الداخلي في محافظة الرقة إنها اعتقلت 3 صرافين لتورطهم في استغلال المواطنين والتلاعب بأسعار الصرف عبر تداول العملة القديمة، كما نفذت حملة أمنية استهدفت مكاتب الصرافة والحوالات في المدينة بهدف ضبط المخالفات المتعلقة بعمليات استبدال العملة.
وترى الحكومة الانتقالية السورية أن إيقاف فترة التعايش بين العملة القديمة والجديدة التي بدأت أوائل العام الجاري وانتهت في الثلاثين من يوليو / تموز الماضي، خطوة تمهيدية لتنظيم القطاع المالي والمصرفي والسوق النقدي، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للتعاملات التجارية والاستثمارية، ضمن مسار إصلاحي أوسع يشمل احتواء التضخم وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وفي تصريح مكتوب لموقع بي بي سي نيوز عربي أكدت إدارة الإعلام والاتصال في مصرف سورية المركزي، أن نسبة استبدال العملة القديمة بالأوراق النقدية الجديدة بلغت نحو 95% من إجمالي السيولة النقدية في سوريا، التي تبلغ نحو 42 تريليون ليرة قديمة
وبينت الإدارة أنه بدءا من السادس من أغسطس / آب الجاري ستُستكمل عملية سحب العملة القديمة من جميع المحافظات باستثناء المحافظات الشرقية منها، في مصرف سوريا المركزي في دمشق حصراً، بهدف تسهيل العملية وتنظيمها وتجنب أي اختناقات أو ازدحام أو تأخير، كما ستنشأ منصة إلكترونية لإتمام عملية السحب وتحويل المبالغ المستحقة إلى الحساب المصرفي للمستفيد دون أية تكاليف، وفقاً للمصدر ذاته.
وفيما يتعلق بشكاوى أبناء المحافظات الشرقية المتعلقة بنقص الأوراق النقدية الجديدة، أفادت إدارة الإعلام والاتصال في مصرف سوريا المركزي بأن إعادة افتتاح فروع المصرف في تلك المحافظات خلال الفترة القادمة، سيساهم في تأمين توريد الكتلة النقدية اللازمة لتلك المناطق، إلى جانب سعي المصرف المركزي الى توسيع شبكة الصرافات الآلية وتعزيز الدفع الإلكتروني ليشمل سوريا كلها.

سيولة خارج المصارف
يؤكد الباحث المالي والاقتصادي الدكتور علي محمد في تصريح لبي بي سي نيوز عربي أن القانون يلزم مصرف سوريا المركزي بطباعة الفئات الصغيرة من الأوراق النقدية الجديدة مثل فئتي 1 ليرة و5 ليرات، لكن تكلفة طباعة الفئات الصغيرة من العملة الجديدة أكبر من قيمتها الفعلية، بالتالي قد لا يطبعها، رغم أن طبعها مهم لمنع حصول تضخم في الأسعار مستقبلاً".
ويشير علي محمد إلى أن غالبية الكتلة النقدية في البلاد لا تزال خارج المصارف، مؤكداً على ضرورة أن تعمل الحكومة الانتقالية السورية على جذب الكتلة النقدية إلى القطاع المصرفي والاستفادة منها في منح القروض لتعزيز النشاط الاقتصادي المنتج، حسب تعبيره.
وفي الأول من يناير / كانون الثاني الماضي، أطلقت السلطات السورية 6 فئات من الأوراق النقدية الجديدة مع حذف صفرين من القيمة الاسمية مقارنة بالعملة القديمة، بهدف تبسيط المعاملات التجارية اليومية وترسيخ الاستقلال النقدي للمؤسسات المالية بعد التغيير السياسي في البلاد.




























