الملايين عارضوا الحكم العسكري في ميانمار، هل انتهى حلم الثورة؟

    • Author, جوناثان هيد
    • Role, مراسل جنوب شرق آسيا
    • Author, لولو لوا
    • Role, منتجة تقرير جنوب شرق آسيا
    • Reporting from, ماس سوت، تايلاند
  • Published
  • مدة القراءة: 9 دقائق

"يوماً ما سنستعيد حريتنا".

أمضى الشاب البالغ من العمر 22 عاماً جزءاً كبيراً من حياته وهو يكافح من أجل ذلك. لكن الآن، وبعد مرور خمس سنوات من الحرب الأهلية في ميانمار، اكتفى من الحرب ومن الصراع السياسي.

يقول لبي بي سي: "أريد أن أساعد شعبنا بقدر ما أستطيع. لكنني اخترت طريقاً آخر. طريق اللاعنف".

غادر هذا الشاب ميانمار ضمن موجة نزوح ضخمة من السكان الباحثين عن اللجوء في مدينة ماي سوت التايلاندية الحدودية.

وتحدث إلى بي بي سي من داخل غرفة صغيرة ومظلمة في أحد الأزقة، وتشكّل واحدة من شبكة بيوت آمنة أنشأتها جمعيات خيرية لمساعدة الوافدين الجدد.

لا يملك معظم النازحين سوى القليل، وهم مرهقون ومصدومون بسبب تجاربهم في ميانمار ومعرضون بشدة للخطر. وبغياب أي وضع قانوني لهم في تايلاند، تعد هذه البيوت الآمنة ملاذهم الوحيد.

كان في السابعة عشرة من عمره عند انضمامه إلى الاحتجاجات التي عمّت البلاد ضد الانقلاب العسكري في ميانمار عام 2021.

وحين سحقت القوات المسلحة تلك الاحتجاجات، سافر، مثل كثير من الشباب المحتجين، إلى منطقة تسيطر عليها جماعات تمرد عرقية لتلقي تدريب عسكري.

وعاد إلى يانغون ضمن وحدة حرب عصابات تعمل داخل المدن، وقام بزرع قنابل ضد أهداف مثل محيط مراكز الشرطة. ويقول: "كنت أعتقد حينها أن الاحتجاجات السلمية ليست الطريق الصحيح لاستعادة حريتنا."

لكنه اعتُقل بعد ذلك بوقت قصير، وصدر بحقّه حكم بالسجن سبع سنوات في سجن "إنسين"، المعروف بسوء سمعته بسبب المعاملة الوحشية التي يتعرض لها السجناء.

أُفرج عنه العام الماضي، وفرّ إلى ماي سوت بسبب المراقبة الأمنية المكثفة التي فرضتها الشرطة على عائلته في منزلها في يانغون. ومن أجل سلامتهم لا يريد الكشف عن اسمه.

إنها مرحلة مُحبطة لملايين البورميين الذين خاطروا بحياتهم وغادروا منازلهم لمعارضة الحكم العسكري.

كانوا يحلمون بثورة تعيد تشكيل ميانمار نحو دولة أكثر ديمقراطية وشمولاً، وتُبعد القوات المسلحة عن السياسة.

وبدلاً من ذلك، يشاهدون الرجل الذي يحملونه مسؤولية إشعال الحرب الأهلية، يحكم قبضته على السلطة.

استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ الشهر الماضي، حاكم ميانمار العسكري، الجنرال مين أونغ هلاينغ، بحفاوة رسمية.

وكان الدعم الدبلوماسي والعسكري الصيني عاملاً حاسماً في مساعدة الرجل الذي أطاح بحكومة أونغ سان سو تشي المنتخبة عام 2021، للتعافي من التداعيات الكارثية لانقلابه.

وخلال العام الماضي، استعاد النظام العسكري جزءاً كبيراً من الأراضي التي كانت تحت سيطرة مئات الجماعات المتمردة التي تشكلت لمقاومة الانقلاب.

وأتاح انتخاب جرى تنظيمه بإحكام في وقت سابق من هذا العام، استُبعدت منه أبرز جماعات المعارضة، الفرصة لهلاينغ أن يقدم نفسه زعيماً شرعياً منتخباً.

فماذا يعني ذلك بالنسبة لمن كانوا يأملون بمستقبل مختلف تماماً؟ كثيرون منهم عالقون فعلياً في ماي سوت.

المدينة هي البوابة الرئيسية للتجارة بين ميانمار وتايلاند، ولطالما احتضنت تجمعاً سكانياً بورمياً كبيراً وإن كان متقلباً. وتضخم هذا العدد مع تدفق اللاجئين منذ الانقلاب. لكن من النادر رؤيتهم في الخارج.

الأغلبية لا تملك أوراقاً قانونية. وقد وصلوا إلى هنا بطرق غير رسمية، بعد عبور نهر موي الضيق الذي يشكل الحدود، ويعيشون في خوف دائم من الاعتقال والترحيل على يد الشرطة التايلاندية.

ويخشون تعرض أفراد عائلاتهم في ميانمار لأعمال انتقامية. وسبق أن أخبرت ضابطة سابقة في الجيش انشقت إلى صفوف المعارضة قبل ثلاثة أعوام، بي بي سي، أنها لا تجرؤ على مغادرة الغرفة التي تستأجرها في ماي سوت أكثر من مرتين شهرياً.

أما الوافدون حديثاً، تُوفر لهم البيوت الآمنة مأوى مؤقتاً، في العادة لمدة لا تتجاوز ستة أشهر. وهي عبارة عن متاهات من الغرف الصغيرة ذات المرافق الجماعية البسيطة، مخبأة في الأزقة الجانبية الضيقة للمدينة.

وخلف كل باب، هناك قصة شخصية مروعة.

ووصف الشاب الذي شارك في حرب العصابات، وسُجن في "إنسين"، تعرّضه لتعذيب متكرر وللاعتداء الجنسي من قبل الحراس. ويقول أيضاً إنّ السجن كان المكان الذي غيّر فيه نظرته إلى الصراع.

"كنت آمل أن تكون الثورة أفضل. لكنهم لم يتحدوا إطلاقاً (في إشارة إلى الجماعات المتمردة)، بل كانوا يتقاتلون فيما بينهم، ولم يعجبني ذلك الوضع. رأيت الكثير من الضحايا بسبب الحرب، ولم أعد أحتمل رؤية أمور كهذه."

وبصفته الابن البكر في عائلته، شعر أيضاً بأنه لا يستطيع المخاطرة بحياته والتخلي عن أسرته. ويقول: "لذلك تخليت عن الكفاح المسلح، ليس فقط الكفاح المسلح بل أيضاً أشكال النضال الأخرى مثل العمل السياسي. أريد أن أساعد شعبنا بطريقة مختلفة".

وكرّس نفسه لتعليم الأطفال في البيت الآمن، وبذل ما بوسعه لدعم أصدقائه المعتقلين في السجن.

ويقول: "أحاول أن أمنحهم الأمل بأن الثورة لم تنته بعد، وأننا ما نزال نملك فرصة للفوز".

وجودنا في البيت الآمن ساهم في جمع عدد من المقيمين الآخرين، ولكل منهم قصة مختلفة.

كان بينهم أعضاء سابقون في قوات الدفاع الشعبي التي تقاتل ضد المجلس العسكري، ومسؤول من الرابطة الوطنية للديمقراطية التابعة لأونغ سان سو تشي، وشبان يريدون تجنّب التجنيد الإجباري في الجيش.

وكان القاسم المشترك بين الجميع أنهم ما زالوا يؤمنون بالثورة، لكنهم أصبحوا مرهقين بعد خمس سنوات، ويحتاجون إلى كسب المال لإعالة أسرهم. وكانت مدينة ماي سوت خيارهم الوحيد.

وكانت من بينهم أيضاً يين يين أونغ، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً، برفقة زوجها وابنها الصغير.

وقطعت العائلة مسافة ألف ميل في رحلة شاقة للوصول إلى ماي سوت من منطقة ساغاينغ، التي شهدت بعضاً من أقوى أشكال المقاومة للانقلاب العسكري، وعانت من عمليات انتقامية مروعة شملت غارات جوية متواصلة.

وكانت قريتها، هتومار، تقع بين قاعدة عسكرية ومنطقة يسيطر عليها المتمردون. وتحدثت عن اليوم الذي احتل فيه الجنود القرية قبل أكثر من عامين، وهم يطلقون النار ويدفعون السكان أمامهم.

وتقول: "عندما انقطعت إشارة الهاتف، عرفنا أن شيئاً ما سيحدث. سمعت ثلاث طلقات نارية، ورأيت الناس يركضون بين المنازل وهم يصرخون بأن رتلاً عسكرياً قادماً. لم نتمكن من حمل الكثير من الأشياء. حمل والدي كيساً من الأرز حتى يكون لدينا شيء نأكله، وواصلنا الركض حتى وصلنا إلى مكان عميق وسط الغابات والتلال".

وتتابع قائلة إنه لم يكن هناك شيء في ذلك المكان، ولذلك اضطروا إلى شرب مياه النهر التي استخدموها أيضاً للاستحمام وقضاء الحاجة. وأصيبوا بالأمراض وتوفي بعضهم. لكنهم بقوا في الغابة ستة أشهر.

وغادر الجنود القرية بعد شهر واحد، لكن يين يين تقول إنها كانت قد تعرضت للنهب بالكامل، بالإضافة إلى زرع ألغام أرضية حول المنازل.

ولم يجرؤ أحد على العودة.

وخلال تلك الفترة أنجبت ابنها، لكنه يعاني من فتق البطن، ويحتاج إلى عملية جراحية.

وخلال عدة أسابيع، اتجهت جنوباً وشرقاً، ووصلت قبل ستة أشهر إلى ماي سوت. وهذا هو البيت الآمن الثاني الذي يقيمون فيه، بعدما بلغوا الحد الأقصى المسموح به للإقامة في الأول.

وهم يحاولون تجنب استئجار غرفة مقابل المال، حتى تتمكن من ادخار المال لإجراء العملية الجراحية لابنها.

ليس لدى الجميع الشعور ذاته بالإحباط من نجاحات الجيش.

ففي بيت آمن آخر، التقينا بنادل سابق من يانغون تحوّل إلى مقاتل متمرد، كان برفقة زوجته وطفلهما البالغ من العمر شهرين.

وكانوا قد غادروا ولاية كارين التي مزقتها الحرب، حيث كان عضواً في "كوبرا كولوم"، إحدى أكثر الوحدات القتالية فعالية في صفوف المعارضة، وجاءوا إلى ماي سوت لإنجاب طفلهم.

لكنه بدا متحمساً للعودة إلى الحرب.

ويقول: "أؤمن بأن الثورة التي نقاتل من أجلها الآن ستنجح يوماً ما. لأنهم (في الجيش) يخوضون حرباً ضد البلد بأكمله. يحاربون المواطنين الذين يفترض بهم حمايتهم وصونهم. لا يمكن أن ينتصروا".

يقاتل "كوبرا كولوم" إلى جانب اتحاد كارين الوطني، المسلّح بشكل جيّد نسبياً، ويخوض قتالاً ضد الحكومة المركزية منذ نحو 80 عاماً. ولا تزال المعنويات مرتفعة هناك.

لكن قوات دفاع شعبية أخرى تواجه صعوبات هذا العام بعدما أدى الضغط الصيني إلى قطع إمداداتها من الأسلحة والتكنولوجيا. وفي المقابل استفادت القوات المسلحة في ميانمار من التدريب والمعدات الجديدة القادمة من روسيا والصين.

لويس (اسم مستعار)، رجل أعمال من يانغون، غادر للانضمام إلى المتمردين في ولاية كارين بعد الانقلاب.

ويقول: "شعرت أنه كان واجبي كمواطن، رغم أنني كنت قد تجاوزت الأربعين من العمر. اعتقدت أنني إن لم أنضم الآن فسأندم على ذلك طوال حياتي."

اعتقلته السلطات العسكرية وسجنته أيضاً، لكنه تمكن من إقناعهم بأنه مقاتل ينتمي إلى عرقية كارين، وليس عضواً في حركة العصيان المدني التي ظهرت رداً على الانقلاب.

وقد ضمن له ذلك على الأقل معاملة أقل قسوة. لكن عند الإفراج عنه العام الماضي، قرر أن حاجة أسرته أكبر من حاجة الثورة إليه.

ويقول: "خلال أول عامين أو ثلاثة، كانت معنوياتنا مرتفعة وكنا متحمسين جداً. لكن مع استمرار الحرب كل هذا الوقت، أصبحت لدى كثير من الناس مسؤوليات أخرى لا تتوقف. أنا على سبيل المثال، أطفالي يكبرون ويحتاجون إلى تعليم جيد وحياة أفضل. كثير من الناس يشعرون بهذا. لقد تغيرنا تحت وطأة ذلك الضغط."

العديد ممن جرى تجنيدهم للقتال في الحرب الأهلية في ميانمارهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 13 عاماً. وكرست إحدى الناشطات نفسها لإخراجهم من أيدي الجماعات المتمردة ونقلهم إلى ملجأ أنشأته في منزل قديم في ماي سوت، حيث تحاول مساعدتهم على اكتساب خبرات مهنية.

التكيف مع الحياة الجديدة أمر صعب. فالأصغر سناً من بين هؤلاء الفتيان، اعتاد الحياة العسكرية، ولا يزال بعض أفراد أسرهم يقاتلون على الجانب الآخر من الحدود. وهم يشعرون بأن من واجبهم أن يكونوا إلى جانبهم.

وتقول: "في بعض الأحيان أشعر بالاكتئاب بسبب الثورة. قبل الانقلاب كانت هناك قرى صديقة لبعضها البعض، وتحولت اليوم إلى عدوّة. أصبحت متخاصمة لأن إحداها تؤيد الجيش والأخرى تؤيد المقاومة".

وهي تعتقد أن الوقت قد حان لتغيير الاستراتيجية. وتقول: "علينا أن نستعد لنضال طويل من أجل هذه الثورة، ليس فقط بالأسلحة، بل أيضاً بالتفكير في التعليم والرعاية الصحية. هناك الآن كثير من النازحين في مخيمات اللاجئين. ماذا سنفعل من أجلهم؟".

وعلمت يين يين أونغ من مستشفى خاص في ماي سوت، أنها تحتاج إلى إيداع مبلغ 38 يوازي نحو 1,140 دولاراً أمريكياً، لإجراء العملية الجراحية لابنها، وهو مبلغ يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة لها ولزوجها.

ومن دون أي وضع رسمي، لا يملكان إمكانية الاستفادة من نظام الرعاية الصحية الحكومي في تايلاند. أما الحل المثالي بالنسبة إليها، فهو العودة إلى قريتها، لكنها تقول إنّ عليها البقاء في تايلاند ما دام مين أونغ هلاينغ في السلطة.

وتقول: "هو الشخص الذي تسبب في حدوث كل هذا. لذلك إذا سألت ما إذا كان بإمكاننا العيش هناك في ظلّ استمراره في الحكم، فالإجابة هي لا. لأنني لو مُنحت حق الاختيار، لفضّلت أن أحضر والديّ إلى هنا".

ورغم تخليه عن زيه العسكري، لا يخفف مين أونغ هلاينغ من وتيرة حربه ضد المعارضة.

أفاد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الشهر الماضي، بمقتل ما لا يقل عن 702 من المدنيين، لقوا حتفهم بين إعلان الانتخابات في أغسطس/آب الماضي واختتامها في نهاية يناير/كانون الثاني، معظمهم من النساء والأطفال، وأغلبهم قُتل في غارات جوية.

ورغم انقسامها إلى مئات الجماعات المسلحة ومعاناتها من نقص السلاح، فقدت المقاومة بعض مواقعها خلال الأشهر الأخيرة، لكنها لا تزال تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد. ومع ذلك، فإن التدخل الدبلوماسي من جانب جيران ميانمار لم يسفر حتى الآن عن أي تنازلات مفيدة من جانب النظام.

وفي ظلّ هذه الظروف، يبقى مئات الآلاف من لاجئي الحرب من ميانمار، بمن فيهم الموجودون في ماي سوت، عالقين في حالة مدمرة من اللايقين.

وتعيش يين يين أونغ اليوم في منزل عبارة عن غرفة صغيرة خافتة الإضاءة، تضم حماماً بسيطاً للغاية في الخلف. وهي مساحة بسيطة جداً لعائلة مكونة من ثلاثة أفراد.

ويعيش المقيمون في الغرف التسع عشرة الأخرى الظروف نفسها، بينما يحمل كل منهم عبء ذكرياته الخاصة والمريرة من الحرب.

وفي ظلّ عدم وجود أي مؤشر على نهاية قريبة لرحلة منفاها في ماي سوت، من المرجح أن تضطر يين يين أونغ إلى الانتقال مرة أخرى بعد ستة أشهر.