عرب في ولاية ميشيغان: "صوّتنا لكم، فهل هذا ما نحصل عليه؟"

    • Author, نادية هُرَيمي
    • Role, بي بي سي عربي – ديربورن، ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية
  • Published
  • مدة القراءة: 8 دقائق

قبل عامين، ساعد ناخبون عرب ومسلمون في مدينة ديربورن الأمريكية المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية حينها دونالد ترامب على تحقيق فوز انتخابي لافت، بعدما شعروا أن الديمقراطيين خذلوهم بموقفهم المتعلق بالحرب في قطاع غزة. واليوم، يجد بعض هؤلاء الناخبين أنفسهم أمام حملة انتخابية يصفون خطابها بأنه يستهدف هويتهم ودينهم. فهل ندموا على خياراتهم؟ وهل تعود أصواتهم إلى الديمقراطيين؟

على امتداد شارع وارن في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، تتجاور المحال التجارية التي تحمل أسماء عربية، والمطاعم التي تقدم أطباقاً من مختلف أنحاء الشرق الأوسط، مع اللافتات الانتخابية التي تذكّر السكان بأنهم على موعد جديد مع صناديق الاقتراع .

هنا، لا تحتاج إلى الابتعاد كثيراً عن الشارع الرئيسي لتسمع اللغة العربية، أو ترى مظاهر ثقافة حملتها أجيال من المهاجرين إلى الولايات المتحدة.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، تعود الأنظار إلى هذه المدينة التي أصبحت رمزاً للحضور العربي الأمريكي.

فولاية ميشيغان تشهد أحد أبرز السباقات الانتخابية على مقاعد مجلس الشيوخ، بين المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد، الطبيب الأمريكي من أصول مصرية، ومنافسه الجمهوري مايك روجرز، عضو الكونغرس السابق.

وتكتسب المنافسة بينهما أهمية تتجاوز حدود الولاية، إذ قد تسهم نتيجتها في تحديد الحزب الذي سيسيطر على مجلس الشيوخ. ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب صافية بأربعة مقاعد لاستعادة الأغلبية من الجمهوريين.

ويضيف ترشّح السيد بُعداً آخر إلى السباق، إذ قد يصبح أول مسلم يشغل مقعداً في مجلس الشيوخ الأمريكي.

ولهذا، تعود ديربورن إلى دائرة الاهتمام السياسي، بعد عامين من انتخابات رئاسية أحدث فيها ناخبوها تحولاً لافتاً.

ففي انتخابات عام 2024، حصل دونالد ترامب على نحو 42 في المئة من أصوات المدينة، متقدماً على منافسته الديمقراطية كامالا هاريس، التي حصلت على نحو 36 في المئة، في مدينة كانت قد صوّتت بأغلبية كبيرة لجو بايدن في انتخابات 2020.

لم يكن ذلك التحول نتيجة انتقال جماعي إلى الحزب الجمهوري. فبينما اختار بعض الناخبين ترامب، امتنع آخرون عن التصويت لأي من المرشحين الرئيسيين، أو لجأوا إلى مرشحين من خارج الحزبين، احتجاجاً على دعم إدارة بايدن لإسرائيل خلال الحرب في غزة.

واليوم، يعود هؤلاء الناخبون إلى صناديق الاقتراع، وسط غضب من الجمهوريين، وثقة لم يستعدها الديمقراطيون بالكامل.

"نحن من ساعدنا ترامب... والآن يهاجموننا"

"أنا جمهوري، وكنت مَن نظّم حشد أصوات العرب لصالح دونالد ترامب عام 2024".

يقول ذلك مايك هاشم، الأمريكي المسلم من أصول لبنانية، والمنتمي إلى الجيل الثالث من عائلته في الولايات المتحدة.

لم يكن هاشم مجرد ناخب مؤيد لترامب. فقد شارك في تنظيم الجهود السياسية التي هدفت إلى استمالة أصوات العرب والمسلمين لصالح المرشح الجمهوري، وعمل ضمن لجنة عمل سياسي أنفقت أموالاً لدعمه في المنطقة.

كان يأمل أن تعيد إدارة ترامب الازدهار الاقتصادي، وتخفض تكاليف المعيشة، وتفي بوعودها بعدم الدخول في حروب جديدة.

لكنه اليوم يتحدث بنبرة مختلفة.

"كنا نعتقد أننا سنعيش العصر الذهبي لأمريكا. لكننا اليوم لا نعيش عصراً ذهبياً، بل عصراً مظلماً".

ولا تقتصر خيبة أمله على الاقتصاد والسياسة الخارجية، بل تمتد إلى الخطاب الذي يستخدمه بعض أبرز الجمهوريين تجاه المسلمين.

فمع تصاعد الحملة الانتخابية في ميشيغان، كثّف ترامب هجماته على عبد الرحمن السيد، واصفاً إياه بأنه "جهادي"، ومتهماً إياه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهي اتهامات ينفيها المرشح الديمقراطي، ولم يقدم الرئيس أدلة تثبت انتماءه إليها.

ويقول الجمهوريون إن انتقاداتهم تتعلق بمواقف السيد وعلاقاته السياسية، وليس بديانته.

لكن هاشم لا يقبل الطريقة التي بات يُتحدث بها عن مجتمعه.

"عندما جاء الجمهوريون إلى هنا عام 2024، رحّبنا بهم ومنحناهم أصواتنا. والآن انقلبوا علينا، وأصبحوا يتحدثون عن الشريعة الإسلامية وعن ترحيل المسلمين".

ثم يتساءل مستنكراً: "صوّتنا لكم، ودعمناكم، فهل هذه هي الطريقة التي تعاملوننا بها؟".

ورغم غضبه، لا ينوي هاشم التخلي عن الحزب الجمهوري. ويقول إنه لن يسمح "لبضعة عنصريين باختطاف الحزب" الذي يؤمن بمبادئه.

أما قراره بشأن المرشح الذي سيصوّت له في انتخابات مجلس الشيوخ، فلا يزال يحتفظ به لنفسه.

وعود بإنهاء الحروب لم تتحقق

على خلاف هاشم، حسم شادي ماوري، الناشط المجتمعي البالغ من العمر 25 عاماً، موقفه الانتخابي.

نشأ شادي في ديربورن، حيث استقرت عائلته بعد هجرة والده من اليمن ووالدته من المغرب.

لم يصوّت لترامب في انتخابات 2020، لكنه غيّر موقفه بعد أربع سنوات، مدفوعاً بوعد الرئيس الجمهوري بإنهاء الحروب وتحقيق السلام في الشرق الأوسط لذلك قرر المجازفة والتصويت له كما قال لنا.

لكن عندما يُسأل اليوم عما إذا كان حصل على ما أراده من ذلك التصويت، يأتي ردّه حاسماً: "لا". ويوضح: "وعد ترامب بشيء وفعل عكسه تماماً. أدخلَنا في حرب أخرى لا نهاية لها في إيران".

يقول شادي إنه لن يدعم المرشحين الذين يؤيدهم ترامب، وإنه سيصوّت لعبد الرحمن السيد. ومع ذلك، لا يعتبر نفسه ملتزماً بالتصويت للديمقراطيين على الدوام. "عندما أذهب إلى صناديق الاقتراع، أنظر إلى المرشح ومواقفه، وليس إلى الحزب الذي ينتمي إليه".

من جنوبي لبنان إلى رفوف المتاجر في ديربورن

داخل أحد المتاجر العربية في المنطقة، تبدو العلاقة بين ما يحدث في الشرق الأوسط والحياة اليومية في ميشيغان أكثر وضوحاً.

عصام قوصان، أحد مؤسسي أسواق المصطفى، وصل إلى الولايات المتحدة من بلدة عيترون في جنوبي لبنان.

واليوم، يدير مع شركائه سلسلة متاجر لها خمسة فروع في ميشيغان.

بالنسبة إليه، ديربورن أكثر من مجرد مكان للعمل.

"ديربورن هي وطننا الثاني نحن العرب. لا نشعر فيها بالغربة، فكل شيء متوافر هنا، من المحال العربية إلى المؤسسات الاجتماعية والدينية. يشعر الإنسان وكأنه في وطنه".

صوّت عصام لترامب في الانتخابات الرئاسية الماضية، مقتنعاً بوعوده بشأن إنهاء الحروب في غزة ولبنان.

لكنه يقول إن ما حدث كان عكس ما توقّعه.

"وعدنا بإنهاء الحرب في غزة، لكن غزة دُمّرت. ووعدنا بإنهاء الحرب في جنوبي لبنان، لكن جنوبي لبنان دُمّر أيضاً".

ولا تقف تداعيات الحروب عند حدود المنطقة التي جاء منها.

فهو يستورد بضائع لمتاجره من الشرق الأوسط، ويقول إن الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الشحن زادت من الأعباء على تجارته.

بالنسبة إليه، بات الاقتصاد والسياسة الخارجية وجهين للقضية نفسها. فيتساءل لماذا تُنفق الأموال الأمريكية على الحروب في الخارج، بينما يعاني المواطنون من ارتفاع تكاليف الحياة؟

ويقول إنه قرر هذه المرة دعم عبد الرحمن السيد، الذي يرى أنه أكثر اهتماماً بقضايا الجالية وبالوظائف والرعاية الصحية والشركات الصغيرة.

"اسمي محمد.. وأخي اسمه محمد محمد"

لكن الحرب وتكاليف المعيشة ليستا وحدهما ما يشغل سكان ديربورن مع اقتراب الانتخابات.

دانا محمد، الشابة الفلسطينية الأمريكية التي تعود أصول عائلتها إلى غزة، وُلدت ونشأت في منطقة "ديربورن هايتس"، وتترشح لعضوية اللجنة المكلفة بمراجعة ميثاق المدينة.

عاشت عائلتها تجربة اللجوء بعد مغادرتها الأراضي الفلسطينية، وما زال لها أقارب في قطاع غزة.

وكان ارتباطها بأرضها عاملاً أساسياً في قرارها ترك خانة الرئاسة فارغة في انتخابات 2024.

واليوم، ومع تصاعد هجمات الجمهوريين على عبد الرحمن السيد، وجدت نفسها أمام موضوع يمس هويتها الشخصية. فترامب أشار إلى السيد باسم "محمد"، في تصريحات اعتبرها منتقدوه سخرية من اسمه. تضحك دانا وهي تتحدث عن ذلك. "اسمي الأخير محمد، أليس كذلك؟ ظننت أنه من المضحك أن يسخر من اسم شائع إلى هذه الدرجة".

وتضيف: "أخي اسمه محمد محمد".

لكنها تخشى أن يسمع أطفال مسلمون هذا الخطاب، فيشعرون بالخجل من أسمائهم أو يترددون إزاء المشاركة في الحياة العامة.

وتقول إن عائلتها ربّتْها على العكس تماماً.

"صوتك مهم، ومشاركتك مهمة. إنهم يعتمدون على هذا الخطاب لتخويفك، ومن المهم ألّا نسمح له بأن ينجح".

وترى دانا، التي تخوض بنفسها انتخابات محلية، أن الرد على ذلك يكون بمزيد من المشاركة السياسية، لا الانسحاب منها.

"أشعر أن علَيّ أن أنظر خلفي باستمرار"

هذا القلق تشاركها فيه سهيلة أمين، وهي ناشطة ومنظِمة مجتمعية وُلدت ونشأت في ديربورن، وعاشت لفترة في لبنان قبل أن تعود إلى ولاية ميشيغان.

شاركت سهيلة في حركة "غير الملتزمين" التي سعت للضغط على الحزب الديمقراطي بسبب موقفه من الحرب في غزة.

وفي انتخابات 2024، اختارت مرشحاً مستقلاً بدلاً من ترامب أو هاريس، ولا تشعر بالندم على قرارها.

لكن الخطاب الجمهوري الحالي يثير لديها قلقاً من نوع آخر.

"كامرأة يبدو مظهرها أنها مسلمة، فإن هذا النوع من الخطاب تحريضي للغاية، ويسبب الكثير من التوتر والانزعاج لأشخاص مثلي"، تقول سهيلة.

وتضيف بأنه يجعلها تشعر بأن عليها أن تنظر خلفها باستمرار، "أو أن أفكر في ما قد أفعله إذا اضطررت إلى حماية نفسي".

تقول سهيلة إن قلقها الأكبر يتعلق بالجيل الأصغر الذي قد يشعر بأنه مضطر إلى تغيير اسمه، أو إخفاء جزء من هويته لتجنب المضايقات. وتشير إلى أن هذه المخاوف لدى الجالية العربية والمسلمة ليست جديدة مذكرة بأجواء مماثلة عاشوها خلال عملها في المجال السياسي والحقوقي في الفترة التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

لكنها تلفت أيضاً إلى تغيّر من قبل بعض الأمريكيين الذين باتوا أكثر استعداداً للتعرف على المجتمع العربي والمسلم، بدلاً من الاكتفاء بما يسمعونه في الخطابات السياسية.

هل يعود الناخبون إلى الديمقراطيين؟

على الرغم من الانتقادات للجمهوريين، فإن دعم عبد الرحمن السيد لا يعني بالضرورة أن الحزب الديمقراطي استعاد ثقة هؤلاء الناخبين.

جاكلين زيدان، وهي أمريكية مسيحية من أصول عربية تعيش في المدينة منذ عام 1992، قررت الابتعاد عن الديمقراطيين بعد اندلاع الحرب في غزة. وفي انتخابات 2024، تركت خانة الرئاسة فارغة، رغم مشاركتها في التصويت لبقية المناصب.

اليوم، تدعم السيد، لكنها تحرص على التمييز بين تأييد مرشح بعينه والعودة إلى تأييد حزبه. "علينا الاستمرار في محاسبة الحزبين حتى يستجيبا لما نريده منهما".

وتوضح أنها تنظر إلى سجل المرشح وقدرته على تحقيق تغيير فعلي، أكثر من انتمائه الحزبي أو الديني.

"لا أراه مسلماً. أراه فرداً أمريكياً وُلد في هذا البلد، ويترشح لمنصب سياسي، ولديه رؤية واضحة لما يريد فعله".

دعم لعبد الرحمن السيد.. وثقة لم يستعدها حزبه

بدا واضحاً من حديثنا مع كثير ممن التقيناهم في ديربورن أنهم يميزون بين دعمهم لعبد الرحمن السيد ومواقفهم من الحزب الديمقراطي. بالنسبة إليهم دعم السيد هو دعم لشخصه ومواقفه، وليس تفويضاً مفتوحاً لحزبه.

ومع اقتراب موعد التصويت، يبدو أن على الحزبين الجمهوري والديمقراطي البحث عن منهجية مختلفة لكسب ثقة ناخبين لم يعودوا مستعدين لمنح أصواتهم لهما دون مساءلة.

الحسابات السياسية ليست وحدها المعضلة في اختيار أي من الحزبين. فالمساس بهويتهم الدينية والإثنية باتت من القضايا التي أدخلها بعض السياسيين في حملتهم الانتخابية، لذا سألنا عدداً من الأمريكيين المسلمين الذين التقيناهم عن رأيهم عندما يسمعون قادة بلادهم يتحدثون عن دينهم وهويتهم بهذه الطريقة؟

بالنسبة إلى سهيلة، لا يتعلق الجواب بالانتخابات وحدها، بل بمعنى الانتماء إلى بلد لم تعرف وطناً غيره.

"أمريكا هي وطني. هنا وُلدت ونشأت. هذا هو البلد الوحيد الذي أعرفه والذي تمتد فيه جذوري، ونحن جزء لا يتجزأ من نسيج هذه الأمة". ثم تضيف بحزم: "أنا هنا. وسأبقى هنا. ولن أذهب إلى أي مكان".