كان ينام في الشوارع... ثم صار يعلّم الناس إدارة أموالهم

    • Author, برنامج أوتلوك
    • Role, خدمة بي بي سي العالمية
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

كان بيتر كومولافي في الثامنة عشرة حين وجد نفسه في المملكة المتحدة، بعد إرساله إليها من نيجيريا، مفلساً وتائهاً وبلا مأوى. لم يكن يملك ما يعينه على بناء الحياة التي كان والداه يأملانها له، وكان عليه أن يبدأ من جديد، مرة أخرى.

ومن شاب لا يملك مالاً، أصبح لاحقاً أحد أبرز الأصوات في مجال المشورة المالية، واسماً مرموقاً في الكتابة والحديث العام عن المال وإدارته.

ولد كومولافي في إنجلترا عام 1979 لأبوين نيجيريين قدما إليها للدراسة والعمل ودعم أسرتهما في الوطن. ونشر والداه إعلاناً في صحيفة بحثاً عن أسرة بريطانية حاضنة تتولى تربيته.

وكان ذلك ترتيباً خاصاً وغير رسمي، شائعاً في ذلك الوقت، ويشار إليه أحياناً بتعبير "فارمينغ"، أي إيداع الأطفال لدى أسر أخرى لتنشئتهم.

وكان كومولافي في شهره الثالث فقط حين تولت رعايته أسرة ساوندرز، وهي أسرة لزوجين أبيضين في مدينة هاستينغز الساحلية، في جنوب شرقي إنجلترا.

يقول كومولافي: "كنت محظوظاً جداً بأن انتهى بي المطاف لدى أسرة ساوندرز".

لكن المدرسة لم تكن سهلة. فقد كان طفلاً أسود في منطقة يغلب عليها السكان البيض، ما جعله عرضة لألقاب عنصرية، وهتافات تقلد أصوات القردة، وتنمر متكرر. وكان كثيراً ما يبكي في طريق عودته إلى المنزل.

اشتكى والداه الحاضنان إلى المدرسة، لكن شيئاً لم يتغير. وفي النهاية، طلب منه والده الحاضن أن يدافع عن نفسه، ففعل.

ويتذكر كومولافي قائلاً: "توقف الأمر تماماً. لم ينظر إليّ ذلك الفتى مرة أخرى".

كان كومولافي يمضي بضعة أسابيع كل صيف مع والديه البيولوجيين قبل أن يعود إلى هاستينغز، لكنه كان يخشى تلك الزيارات في الواقع. فقد كانت تقطع روتينه، وتبعده عن أصدقائه، وتأخذه إلى مكان لا يشعر فيه بأنه في بيته.

ثم تغير كل شيء في أحد فصول الصيف، عندما كان في الثامنة من عمره. فقد كان والداه قد عادا إلى نيجيريا، فأرسلاه على متن طائرة إليهما.

كانت تلك أول رحلة جوية في حياته. وكان يحلم دائماً بأن يصبح طياراً، إذ أسرَته منذ طفولته فكرة رؤية العالم من السماء.

وأضاف كومولافي: "كنت متحمساً جداً لمجرد أنني سأركب طائرة للمرة الأولى".

بلدٌ غريب

لا يزال يتذكر لحظة هبوطه في مطار لاغوس، حين استقبله جدار من الضجيج والفوضى. في ذلك الوقت، لم يكن كومولافي يتحدث سوى الإنجليزية، ولم يكن يفهم كلمة واحدة من اليوروبا، لغة عائلته الممتدة.

اصطحبته والدته، ومضت به ساعات في سيارة عبر طرق مظلمة، إلى مكان لا يعرفه.

غلبه النوم. وفي صباح اليوم التالي، استيقظ ليجد نفسه محاطاً بأقارب يريدون التعرف إليه. وبسبب اختلاف مظهره عنهم، صار محط الأنظار. كانوا يطلبون منه أن يتحدث ليسمعوا لكنته البريطانية.

ويتذكر كومولافي قائلاً: "كان الأمر مرهقاً في الحقيقة، كأنه حدث قائم بذاته. شعرت كأنني عامل الجذب الرئيسي. وأنا كنت قد استيقظت للتو، أتساءل: أين أنا؟ ومن هؤلاء الناس؟".

ظل يعدّ الأيام، معتقداً أنها رحلة لن تستمر أكثر من أسبوعين. وفي أحد الصباحات، حزم حقيبته بحماس، ودخل إلى غرفة الجلوس وسأل: "متى سنذهب إلى المطار؟ وفي أي وقت تقلع الطائرة؟".

ضحكت والدته. ثم قيل له إنه سيبقى هناك من الآن فصاعداً.

ويقول: "كان هناك شعور بخيبة الأمل، وباليأس، وبغضب كبير. كان هناك أيضاً شعور بأنني عالق. عندما تكون في الثامنة، لا تكون لديك خيارات حقيقية".

أغلق على نفسه باب إحدى الغرف، ورفض التحدث إلى أي شخص.

وفي تحدٍ صامت، رفض أن يتحدث اليوروبا. تعلمها في المدرسة وأتقنها، لكنه لم يخبر عائلته بذلك قط. كان لا يردّ إلا إذا خاطبوه بالإنجليزية.

ويقول: "كانت تلك طريقتي الوحيدة لأجعلهم يعرفون أنني لم أكن سعيداً بوجودي هناك".

كانت السنوات الأولى قاسية. تعرض للتنمر لأنه مختلف، ولأنه يتحدث بلكنة بريطانية. تأقلم ببطء، لكنه لم يتخلص أبداً من شعوره بأن ذلك المكان لا يشبه بيته.

وخلال ذلك كله، كان كومولافي يحمل معه قلم حبر، وقلم رصاص، وأوراقاً أينما ذهب. كتب القصص، ودوّن يومياته، ثم بدأ لاحقاً، وهو في الخامسة عشرة، بكتابة إعلانات لمنظمة اليونيسف.

ويقول: "ربما لأنني لم أكن أحب المكان الذي كنت فيه، كان من الأسهل أن أتخيل أماكن أخرى".

لم تكن المنطقة التي عاش فيها مزودة بمياه جارية أو كهرباء، وكان الطعام شحيحاً. ويقول كومولافي: "منذ سن مبكرة جداً، قيل لي إنك إن أردت الخروج من وضع سيئ، فمسؤولية إصلاح ذلك تقع عليك".

وخلال ذلك كله، كان يستلقي مستيقظاً في الليل، يراقب الطائرات تعبر السماء فوقه، مدركاً أن عليه أن يكون على متن إحداها.

بضعة جنيهات وعنوان

بعد انتهاء المرحلة الثانوية، اقتنع والداه بأنه لم يتأقلم تماماً مع الحياة في نيجيريا، فادخرا المال لإعادته إلى لندن.

كان رحيله مفاجئاً، إذ طلب منه والده أن يستعد للسفر خلال نحو أسبوع، ثم قيل له بعد ثلاثة أيام فقط: "ستغادر بعد أربع ساعات، احزم حقائبك".

جمع كومولافي ما استطاع حمله، وتوجّه إلى المطار. لم يكن في جيبه سوى 67 دولاراً، أي نحو 50 جنيهاً إسترلينياً، ومعه عنوان منزل أسرته الحاضنة القديمة، التي لم يكن قد تواصل معها منذ عشر سنوات، ولم تكن تعلم أن بيتر أمضى عقداً كاملاً في نيجيريا.

في الثامنة عشرة، لم يكن يعرف شيئاً عن إدارة المال. لم يكن يعرف ما الذي يمكن أن يشتريه بالمبلغ الذي يحمله، ولا ما الذي سيحدث إذا لم يعد والداه الحاضنان يعيشان في ذلك المنزل.

وصل إلى مطار هيثرو في برد أكتوبر/تشرين الأول، من دون ملابس تناسب الطقس. استقل قطاراً إلى هاستينغز، وطرق الباب.

لم يجب أحد.

جلس خارج المنزل، يرتجف من شدة البرد، ثلاث ساعات، إلى أن تعرّف إليه جارٌ من الجهة المقابلة من الشارع.

وعندما عاد والداه الحاضنان أخيراً إلى المنزل، غمره ارتياح كبير، لكنه لم يدم طويلاً.

ويتذكر كومولافي قائلاً: "بسذاجتي، ظننت أنني سألقى استقبالاً حاراً. لكنني حين أنظر إلى الأمر الآن، أفهم أنهم لم يسمعوا عني شيئاً طوال عشر سنوات. كانت حياتهم قد مضت. أصبح لديهم طفل آخر، ولم يكونوا أسرة ميسورة".

أقام معهما شهراً أو شهرين. وساعده والده الحاضن في الحصول على رقم التأمين الوطني، وفي ترتيب أموره، والعثور على أول وظيفة له. وفعلت والدته الحاضنة، سيلفيا، ما استطاعت أيضاً لمساعدته.

ويقول كومولافي: "في النهاية، أدركت أن عليّ أن أشق طريقي بنفسي".

العيش في الشوارع

حصل كومولافي على وظيفة في ترتيب البضائع على رفوف أحد المتاجر، وصار للمرة الأولى في حياته يتقاضى راتباً. انتقل إلى سكن مشترك، لكن إدارة المال كانت أكبر من قدرته في ذلك الوقت. أنفق كل ما لديه من دون أن يدفع الإيجار، فأُخلي من السكن.

فكّر في العودة إلى أسرته الحاضنة، لكنه لم يستطع. فقد شعر بأنهم ساعدوه على بداية جديدة، وأنه أضاع تلك الفرصة.

لذلك نام في الشوارع شهراً كاملاً. كان يبحث كل ليلة عن مكان يمنحه شيئاً من الدفء أو الراحة. ويقول: "كان الأمر مرهقاً وفظيعاً".

وجاءته المساعدة من شخص غير متوقع: رجل كان يُعرف بلقب "كيث تيث"، وهو لقب أُطلق عليه بسبب سوء حالة أسنانه الملحوظ.

في إحدى ليالي عطلة نهاية الأسبوع، وجد كيث كومولافي يحاول النوم تحت طاولةٍ اتقاءً للبرد، فعرض عليه أن ينام على أريكته. وبعد بضعة أيام، دُعي إلى الإقامة في منزل والدة كيث، في قرية راي القريبة.

ويقول كومولافي: "لو كنت أنام في زاوية أخرى من الشارع تلك الليلة، لما التقيته أبداً".

استغل كومولافي تلك الفترة ليستعيد بعض الاستقرار، ثم تقدم بطلب للحصول على مكان في مأوى، وبدأ البحث عن عمل. وعُرضت عليه مقابلتان وظيفيتان، إحداهما في بنك بمدينة إيستبورن، وهي بلدة تبعد نحو ثلاثين دقيقة.

وكاد ألّا يذهب إلى المقابلة. فخلال فترة تشرده، كان يحرر شيكات بلا رصيد ليتمكن من شراء الطعام، وتراكمت عليه ديون لعدة بنوك. وكان يخشى ألا يحصل على الوظيفة بسبب سجله المالي. لم يكن يريد حضور المقابلة، لكنه أُبلغ بأنه سيفقد إعاناته إذا لم يفعل.

قال في نفسه: "لن أحصل على الوظيفة على أي حال"، وذهب إلى المقابلة مرتدياً بنطال جينز وسترة جلدية.

لكن مسؤولة المقابلة أخبرته أنه سيكون أمين صندوق ممتازاً.

ويتذكر كومولافي قائلاً: "رأت فيّ شيئاً لم أكن أراه في نفسي".

نقطة تحول

ومن حيث لم يتوقع، وجد كومولافي شغفه والمهارة التي يبرع فيها.

ويقول: "الغريب أنني كنت جيداً جداً في شرح أمور من قبيل: كيف يمكن لأموالك أن تحقق أداءً أفضل قليلاً إذا اخترت هذا بدلاً من ذاك".

وبحلول منتصف عامه الأول في العمل، نُقل إلى وظيفة يتعامل فيها مباشرة مع العملاء بشأن المنتجات والخدمات المالية.

ومن هناك، تسارعت مسيرته المهنية. انتقل بين بنوك أكبر، وتولى أدواراً في إدارة العلاقات مع العملاء وتطوير الأعمال.

وفي عطلات نهاية الأسبوع، حين كان يزور أحد أصدقائه، كان يرى كناري وارف على الضفة المقابلة. وهي حي المال والأعمال في لندن، وتضم مقار بعض أكبر البنوك والشركات في العالم. وبحسب تعبير كومولافي، فإن العمل هناك يعني أنك "بلغت القمة".

كان يتجول بين أبراجها، ويقول لنفسه إنه سيعمل هناك يوماً ما.

وبحلول عام 2012، تحقق ذلك. فقد عُرضت عليه وظيفة في واحدة من أكبر شركات التأمين والخدمات المالية في العالم، وكان مكتبه في الطابق الخمسين من برج "وان كندا سكوير"، أحد أطول ناطحات السحاب وأشهرها في كناري وارف.

ويقول كومولافي: "كان الأمر أشبه بلحظة كشف. فيلمي المفضل هو The Pursuit of Happyness، وكانت رحلتي في كناري وارف، إلى حد كبير، لحظتي الخاصة في السعي إلى السعادة".

يصعب عليه أن يصف شعور الانتقال من التشرد إلى العمل في الطابق الخمسين، من دون شهادة جامعية. ويقول: "من الصعب أن تنقل هذا الشعور إلى شخص لم يعشه".

ويضيف: "عندما كنت أعيش في الشارع وأنظر إلى الناس داخل بيوتهم الدافئة، كنت أفكر: كم سيكون جميلاً أن أعرف هذا الشعور؟".

وخلال خمس سنوات فقط، انتقل من وظيفة في مركز للاتصالات إلى قيادة فريقه والانضمام إلى اللجنة التنفيذية، ليصبح أول شخص من خلفية عرقية غير بيضاء يحقق ذلك في تلك الشركة.

وفي نهاية المطاف، قرر كومولافي أن يوظف خبرته لمساعدة الآخرين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون وكتابه The Money Basics: How to Become Your Own Financial Hero.

ويقول إن دافعه بسيط: "لو أن أحداً علّمني حتى عشرة في المئة فقط مما أعرفه الآن، لاتخذت قرارات أفضل بكثير في حياتي".

----------------------------------------------------------

استناداً إلى حلقة من برنامج "أوتلوك" من خدمة بي بي سي العالمية.