هل تعلم أن لمشاهدة غروب الشمس فوائد صحية؟

لون غروب الشمس البرتقالي معكوس على سطح بحيرة أسترالية وفي وسط البحيرة ثلاث بجعات

صدر الصورة، BBC/by Diala AlAzzeh

    • Author, ألي هيرشلاج
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

ينظر الناس إلى شروق الشمس وغروبها كدَفّتَي كتاب، ينطوي اليوم بينهما. لكن القصة أكبر من ذلك: إليك ما الذي تفعله لحظة الضوء الذهبي البديعة تلك لذاكرتنا ونومنا ومزاجنا.

في عشية زفافي، شاهدت أنا ووالداي وخطيبي آنذاك غروباً لا يُنسى من شرفة منزل في كيب كود في ماساتشوستس الأمريكية.

تشتهر كيب كود بضوء "الساعة الذهبية". ففي شبه جزيرة ضيقة يحيط بها الماء تقريباً من كل الجهات، يتشتت ضوء الشمس عند اقترابه من الأفق بفعل الرطوبة، ما يخلق سلسلة من درجات البرتقالي والذهبي والوردي الزاهية، والتي تبدو وكأنها تذوب في البحر.

في ذلك اليوم، كانت عاصفة تقترب أيضاً من الغرب، ما جعل الألوان المتدرجة تبدو وكأنها من عالم الخيال.

وبينما كان الرجال يلتقطون صوراً للمشهد، وقفت أنا ووالدتي نراقب المنظر الجميل مع قشعريرة سرت في أجسادنا من نسمات هواء سبتمبر/أيلول المنعش. وعندما عدنا إلى الداخل، احتضنت والدتي. بدت كل مخاوف ما قبل الزفاف التي كانت تؤرقنا وكأنها قد غربت مع الشمس.

ولا شك أن الشعور بالارتياح مع نهاية يوم طويل ساهم في ذلك، لكن مشاهدة غروب الشمس ربما لعبت دوراً أيضاً. في الواقع، هناك أدلة عديدة على أن الغروب - وكذلك الشروق - يمكن أن يكون له تأثير ملموس على دماغنا وصحتنا النفسية: من تقليل القلق والاكتئاب إلى تعزيز الذاكرة والإبداع والنوم وحتى الإيثار.

سيدة تنظر إلى غروب الشمس

صدر الصورة، Mark Stetson

التعليق على الصورة، الدهشة هي الشعور الذي ينتابنا عندما نشهد شيئاً عظيماً وعميقاً لا نستطيع فهمه تماماً
التعليق على الفيديو، ثلث حياتنا نقضيه في النوم، لماذا ننام؟

تأثير شعور الدهشة وقت الغروب

تنبع إحدى الفوائد الرئيسية من الشعور بالدهشة التي يثيرها الغروب، والتي تُظهر الأبحاث أن لها تأثيراً لافتاً على العديد من جوانب صحتنا.

الدهشة أو الرهبة هي الشعور الذي ينتابنا عندما نشهد شيئاً عظيماً وعميقاً لا نستطيع فهمه تماماً. قد يكون عملاً فنياً، أو إنجازاً بشرياً مثل مشاهدة ولادة طفل، أو ظاهرة طبيعية. وتجربة هذا الشعور تغير إدراكنا، وغالباً ما تستدعي استجابة جسدية مثل الدموع أو القشعريرة. لكنها تفعل أكثر بكثير خلف الكواليس.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

تقول ميشيل شيوتا، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة ولاية أريزونا في الولايات المتحدة وباحثة منذ فترة طويلة في موضوع الدهشة: "واحدة من أكثر الخصائص المميزة للدهشة هي الشعور بالصِغَر، وأن قضايا الفرد ومشكلاته وحياته تبدو غير مهمة ضمن الصورة الكبرى".

وتضيف: "هذا مفيد للصحة النفسية لأننا ندرك أن بعض الأمور التي تسبب لنا قدراً كبيراً من الضيق ربما ليست مهمة إلى هذا الحد".

يمكن أن يؤدي التركيز الداخلي إلى الإفراط في التفكير والقلق، لكن عندما نقع في دوامات التفكير السلبي، يمكن للأحداث أو الظواهر التي تثير الدهشة - مثل غروب الشمس- أن تستحوذ على انتباهنا، فتقطع هذا المسار وتعيدنا إلى الحاضر.

وأظهرت الأبحاث أن هذا التحول في المنظور يلهمنا لأداء سلوكيات نافعة للآخرين، مثل العمل التطوعي والشعور الأكبر بالغاية والهدف.

ورغم أن الدهشة قد تُوجد في جوانب عديدة من الحياة، من الروحانية والجمال الأخلاقي إلى الموسيقى الرائعة أو التصميم البصري، تشير الاستطلاعات إلى أن الطبيعة هي المصدر الأكثر إلهاماً للإنسان.

تقول شيوتا: "عندما نطلب من الناس في الولايات المتحدة أن يخبرونا عن وقت شعروا فيه برهبة قوية، تكون أكثر الإجابات شيوعاً: الظواهر الطبيعية - وغالباً ما تكون مناظر بانورامية من نوع ما".

ويُعد غروب الشمس وشروقها من أبرز الأمثلة على ذلك، وفقاً لدراسة أُجريت عام 2023، والتي قاست ردود أفعال أكثر من 2,500 مشارك تجاه صور لبيئات طبيعية مختلفة.

تقول جنيفر ستيلار، الباحثة في علم النفس في جامعة تورونتو في كندا والتي تدرس تأثير المشاعر الإيجابية على الصحة والرفاه: "الغروب بديع جداً، والإحساس بالجمال يميل إلى إثارة الرهبة في نفوسنا". وتضيف: "غروب الشمس يتميز بنوع من الجمال الغامر، والشعور بالسعة، وصورة غير معتادة إذا فكرت في الشكل المعتاد للسماء".

تعزيز شعور الدهشة

يعد ضوء الغسق المنتشر إشارة يومية مهمة، حيث يشير إلى الجسم للبدء في الاسترخاء

صدر الصورة، Mark Stetson

التعليق على الصورة، يعد ضوء الغسق المنتشر إشارة يومية مهمة، حيث يشير إلى الجسم للبدء في الاسترخاء

إضافة إلى جعلنا نشعر بتحسن، قد يعزز غروب الشمس الآسر أيضاً قدراتنا الذهنية من خلال زيادة احتفاظنا بالمعلومات. وفي عصر تنتشر فيه المشتتات المدفوعة بالتكنولوجيا، تبدو هذه فكرة مرحب بها.

فعلى سبيل المثال، في تجربة لمعرفة ما إذا كانت الدهشة تساعد البشر على الاحتفاظ بالمعلومات بشكل أفضل، طلبت شيوتا من المشاركين مشاهدة ثلاثة أفلام، أحدها فيلم علمي يثير الدهشة. ثم استمعوا إلى قصة وطُلب منهم تذكر تفاصيلها فوراً. وكان المشاركون الذين شاهدوا الفيلم العلمي الأكثر دقة بكثير في تذكر المعلومات.

وتقول ستيلار إنه لم يُفهم بعد ما الذي يحدث في الدماغ لإحداث هذا التأثير. وقد يكون السبب أن الناس يصبحون أكثر تركيزاً على ما يحدث أمامهم لأن الشيء المثير للرهبة أو الدهشة قد جذب انتباههم.

وتشير الأبحاث أيضاً إلى أن التعرض المتكرر للمناظر التي تُثير شعور الدهشة قد يحقق فوائد كبيرة للصحة النفسية. فقد وجدت إحدى الدراسات، على سبيل المثال، أن اختبار الدهشة بشكل منتظم ساعد في تقليل الضغوط الحادة والمزمنة التي عانى منها الناس خلال وباء كورونا.

وفي دراسة أخرى، طلب الباحثون من مجموعة من كبار السن محاولة اختبار لحظات من الرهبة، من توهج أوراق الخريف إلى نظرة الدهشة على وجه طفل، أثناء قيامهم بنزهات أسبوعية قصيرة. وبعد ثمانية أسابيع، كانت ردودهم على استبيان حول ما شعروا به وما رأوه خلال تلك النزهات أكثر انفتاحاً على الخارج وتحمل أوصاف أكثر مقارنة بمجموعة ضابطة لم يُطلب منها البحث عن شعور الدهشة والمتعة.

كما طُلب من المجموعتين التقاط صور شخصية ذاتية، وكانت ابتسامات المجموعة التي عاشت الدهشة أوسع بشكل ملحوظ، كما أنهم جعلوا أنفسهم يظهرون أصغر حجماً في صورهم مع مرور الأسابيع، مفضلين إبراز محيطهم الطبيعي.

وقد يكون مشاهدة الغروب أثناء التنزه في الطبيعة بمثابة مضاعفة لتأثير الدهشة والانبهار.

تقول ستيلار: "للطبيعة فوائد صحية، وغروب الشمس الذي يمر علينا كل يوم ويثير فينا الدهشة والرهبة له فوائده الخاصة، لذا أعتقد أن الغروب مفيد بشكل مقارنة بالمشاهد أو الأحداث أو المناظر غير الطبيعية".

جرعة يومية

في دراسة شملت 200 شخص، وجدت ستيلار أن أولئك الذين أفادوا بأنهم غالباً ما يشعرون بمشاعر إيجابية مثل الفرح والرهبة لديهم أدنى مستويات من السيتوكينات، وهي مؤشرات للالتهاب في الجسم.

وتوضح ستيلار: "الأشخاص الذين لديهم مستويات مزمنة أعلى من هذه المؤشرات يكونون أكثر عرضة لخطر الإصابة بالسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والاكتئاب".

ولا يُعرف على وجه اليقين سبب تأثير الدهشة على السيتوكينات. وتقول ستيلار: "قد يكون ذلك من خلال شعور الناس بالترابط، لأن الدعم الاجتماعي والترابط قد يساعدان في تقليل السيتوكينات المسببة للالتهاب". وتضيف: "وقد يكون ذلك أيضاً بسبب قدرتها على تقليل التوتر".

وقد تجعل الدهشة الإنسان أكثر لطفاً، إذ إن الشعور بصِغَر الذات أمام شيء عظيم قد ثبت أنه يحفز الإنسان على الإيثار. فقد لاحظت إحدى الدراسات سلوك طلاب جامعيين بعد أن نظروا إما إلى مجموعة من أشجار الكينا العملاقة أو إلى مبنى. وعندما أسقط باحث متعمد الإهمال مجموعة من الأقلام أثناء التجربة، ساعد الطلاب الذين نظروا إلى الأشجار وشعروا بالدهشة في التقاط عدد أكبر بكثير من الأقلام مقارنة بأولئك الذين نظروا إلى المبنى.

وبالمثل، إذا شعرت بالرهبة أمام جمال الغروب، فقد تجد نفسك أكثر ميلاً للمساعدة أو أكثر تعاطفاً مع من حولك. وقد اكتشفت ذلك في الليلة التي سبقت زفافي: فبعد تجربة الغروب، وجدت نفسي أبادر للتطوع للقيام بأعمال أكثر مما فعلت في اليوم السابق، وهو ما ساعدني بدوره على الشعور بمزيد من الهدوء يوم زفافي.

قسط أفضل من النوم ليلاً

إن التعرض للتطور الطبيعي لضوء الشمس، من الشروق إلى الغروب، له تأثير مباشر على صحتنا النفسية والجسدية.

فقد ثبت أنه يساعد في تنظيم إيقاع الساعة البيولوجية - دورة النوم واليقظة الطبيعية التي تتكرر كل 24 ساعة - مما يحسّن جودة النوم في النهاية. وعندما يتوافق هذا الإيقاع مع بيئتنا الطبيعية، تعرف الغدة الصنوبرية في الدماغ موعد وكمية الميلاتونين التي يجب إنتاجها لإعداد الجسم للراحة.

ورغم أن مشاهدة الشروق تُعد الإشارة الأقوى لتنظيم الساعة البيولوجية، فإن الضوء المنتشر عند الغسق لا يزال يلعب دوراً مهماً كمُنبّه طبيعي يشير للجسم ببدء الاسترخاء. فكما يمنحنا الضوء الأزرق خلال النهار قدراً من الطاقة، فإن درجات الأحمر والذهبي الناعمة في الغروب تنشط الجهاز العصبي نظير الودي، ما يقلل من الكورتيزول ويساعد على نوم أكثر راحة.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الضوء الاصطناعي ليلاً يعطل هذه الإشارات، ما يؤدي إلى تدهور جودة النوم ومجموعة من المشكلات الأخرى.

تقول ماريانا فيغيرو، أستاذة أبحاث الضوء والصحة في كلية إيكان للطب في ماونت سيناي في نيويورك: "رُبط اضطراب الساعة البيولوجية بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق".

كما ينظم الساعة البيولوجية دورة الكورتيزول، وعندما تختل، يمكن أن تتسبب في ارتفاعات في الكورتيزول في أوقات غير مناسبة.

ففي اليوم المنتظم، يرتفع الكورتيزول بعد نحو 30 دقيقة من الاستيقاظ، ما يمنحنا الطاقة لليوم، ثم ينخفض تدريجياً مع اقتراب الليل. لكن التعرض المنتظم للضوء الاصطناعي، خاصة الضوء الأزرق من الشاشات بعد غروب الشمس، يمكن أن يخدع النظام المسؤول عن إنتاج الكورتيزول ليُنتج المزيد منه في أوقات لا نحتاج إليها.

وقد تؤدي المستويات المرتفعة المزمنة من الكورتيزول إلى مجموعة من التأثيرات الصحية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق وضعف الإدراك وإجهاد الجهاز القلبي الوعائي. وتقول فيغيرو إن تنظيم التعرض للضوء والظلام يمكن أن يعاكس ذلك.

وإذا لم يسمح جدولك المليء بمشاهدة الشروق والغروب معاً، فقد يكون لدى العلماء حل بديل. فقد وجدت دراسة عام 2024 أن ضوء LED يحاكي درجات الغروب والشروق، ساعد بشكل ملحوظ في تنظيم الإيقاع الحيوي لدى الناس.

لم أنم جيداً بعد مشاهدة غروب ما قبل الزفاف، لكن هذا ليس مفاجئاً نظراً لما كان ينتظرني. لقد مرّ على زواجنا أنا وزوجي 10 سنوات هذا الخريف، ونحن الآن نشاهد كل غروب يمكننا مشاهدته.

وبالاستناد إلى علم غروب الشمس، فقد تكون هذه اللحظات تفعل خيراً لأجسادنا وعقولنا أكثر مما كنت أدرك.