تشييع الخميني عام 1989: كيف ودّع الملايين مؤسس الجمهورية الإسلامية؟

    • Author, محمد همدر
    • Role, بي بي سي نيوز عربي - بيروت
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

يستعد الإيرانيون، خلال الأيام المقبلة، للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق علي الحسيني خامنئي، الذي قُتل في 28 فبراير/شباط الماضي، خلال الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.

وفي مطلع يونيو/حزيران 1989، شيّعت إيران مؤسس الجمهورية الإسلامية وأول مرشد أعلى لها، روح الله الخميني، بعد وفاته في طهران إثر تدهور حالته الصحية. وبعد رحيله، اختار مجلس خبراء القيادة علي خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية.

كانت جنازة الخميني واحدة من أكبر الجنازات في التاريخ الحديث وأكثرها اضطراباً. ويسجل موقع غينيس للأرقام القياسية جنازته باعتبارها أكبر جنازة من حيث نسبة المشاركين إلى عدد السكان، إذ قدّر عدد المشيعين بنحو 10.2 ملايين شخص في طهران.

وعلى الرغم من أن الإيرانيين كانوا يتابعون تدهور صحة الخميني، شكّل إعلان وفاته صدمة واسعة بين أنصاره، بعد نحو عشر سنوات فقط على الإطاحة بحكم الشاه وتأسيس الجمهورية الإسلامية.

وتحوّلت مراسم التشييع إلى مشاهد فوضوية، بعدما تدفقت حشود ضخمة إلى موقع الجنازة، واندفع مشيعون نحو النعش في محاولة للاقتراب من الجثمان. واضطرت السلطات إلى وقف عملية الدفن الأولى، قبل أن تُستأنف لاحقاً وسط إجراءات أمنية مشددة.

فما الذي حدث في جنازة الخميني؟

تضم الحلقة الأخيرة من وثائقي "روح الله"، الذي يتناول سيرة الخميني، لقطات مصورة من داخل غرفته في المستشفى خلال أيامه الأخيرة.

ويظهر الخميني راقداً على سريره، محاطاً بأطباء وأفراد من عائلته، وهو في حالة وهَن واضحة، يتحرّك بصعوبة ولا يكاد يتكلم.

وتعرض الحلقة مشاهد له وهو يؤدي الصلاة بمساعدة عدد من الرجال، وأخرى أثناء محاولة إطعامه، قبل أن تنتقل إلى لحظات ظهر فيها أطباء ومرافقون حول سريره خلال محاولة إنعاشه.

وتنتهي المشاهد بلقطات لأشخاص من المحيطين به وهم يبكون بعد إعلان وفاته.

توفي روح الله الخميني مساء الثالث من يونيو/حزيران 1989، وأعلن التلفزيون الإيراني الرسمي وفاته صباح اليوم التالي. أعلنت السلطات حداداً رسمياً لمدة 40 يوماً، وبدأ مؤيدوه بالتوافد إلى الشوارع في مظاهر حزن علنية.

ومع انتشار الخبر، توجهت حشود من مناطق مختلفة في إيران إلى طهران للمشاركة في مراسم التشييع.

وفي 5 يونيو/حزيران، نُقل جثمان الخميني إلى مصلى طهران، حيث عُرض ملفوفاً بكفن أبيض داخل حافظة زجاجية مبرّدة، فوق منصة مرتفعة، لإتاحة إلقاء نظرة الوداع عليه.

وأظهرت لقطات جوية حشوداً ضخمة في محيط المصلى، وسط مشاهد بكاء ولطم، وحالات تدافع وإغماء بفعل كثافة الحضور والحرارة.

وبقي الجثمان معروضاً حتى اليوم التالي، قبل أن تنقل السلطات مراسم الدفن إلى مقبرة بهشت زهرا، في جنوب طهران، حيث خرجت الحشود عن السيطرة أكثر من مرة.

في صباح 6 يونيو/حزيران، وبعد إقامة صلاة الجنازة، بدأ نقل جثمان الخميني من مصلى طهران باتجاه مقبرة بهشت زهرا، في جنوب العاصمة.

وكان من المقرر أن يقطع الموكب مساراً طويلاً من وسط طهران إلى المقبرة، تُقدّره بعض المصادر بنحو 32 كيلومتراً، وسط حشود ضخمة اصطفت على جانبي الطريق.

لكن عربة نقل الجثمان تقدمت ببطء شديد وسط الجموع، قبل أن يتعذر على المنظمين استكمال المسار كما خُطط له.

وتدخلت قوات الأمن والحرس الثوري لمحاولة فتح الطريق وإبعاد العربة عن الحشود، بعدما خرج الموكب عن السيطرة عدة مرات.

وكانت حشود كبيرة قد تجمعت أيضاً في محيط مقبرة بهشت زهرا، في جنوب طهران، ما زاد صعوبة إتمام الدفن.

وبعد تعذّر وصول موكب التشييع برّاً، قررت السلطات نقل الجثمان بمروحية إلى موقع الدفن.

لكن السيطرة على الحشود تعذّرت هناك أيضاً. فمع هبوط المروحية، اندفع عدد كبير من المشيعين نحو النعش، في محاولة للمس الكفن والحصول على أجزاء منه، في مظهر من مظاهر التبرك لدى بعض المؤمنين.

وأظهرت لقطات مصورة أن عدداً من المشيعين وصلوا إلى النعش، وأن جزءاً من الكفن انكشف وسط التدافع، قبل أن تتمكن قوات الأمن والحرس الثوري من استعادة الجثمان ونقله لإعادة تكفينه.

لكن الحشود اندفعت مجدداً نحو الجثمان في المحاولة الثانية لدفنه، ما اضطر السلطات إلى نقله مرة أخرى لإعادة تكفينه.

وتدخل أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي كان حينها رئيساً للبرلمان، بعد وصوله بمروحية خاصة للمساعدة في الإشراف على استعادة السيطرة على المراسم ونقل الجثمان لإعادة تكفينه.

وفي المحاولة الثالثة، وصل أحمد الخميني، نجل الخميني، للمشاركة في عملية الدفن. كما أعلنت الإذاعة الإيرانية تأجيل المراسم، بهدف إبعاد الحشود عن المكان.

ومع ذلك، لم تتمكن المروحية من الهبوط إلا بعد ست محاولات. ووُضع الجثمان هذه المرة داخل تابوت معدني محكم الإغلاق، قبل إتمام الدفن.

وأسفر التدافع وضغط الحشود عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة نحو 500 آخرين، بحسب موقع غينيس للأرقام القياسية، الذي يورد أيضاً أن نحو 10.2 ملايين شخص شاركوا في الجنازة، وفق التقديرات الرسمية الإيرانية.

ويكتسب استحضار جنازة الخميني أهمية خاصة اليوم، مع استعداد إيران لتشييع علي الحسيني خامنئي، ثاني مرشد أعلى للجمهورية الإسلامية.

كان الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية وأول مرشد أعلى لها، شخصية دينية وسياسية حاسمة في تاريخ إيران الحديث، إذ قاد الثورة التي أطاحت بالشاه عام 1979 وأرسى نظام ولاية الفقيه.

وخلفه خامنئي في المنصب عام 1989، ليصبح أطول قادة الجمهورية الإسلامية بقاءً في الحكم، وصاحب دور محوري في رسم سياسات الدولة داخلياً وخارجياً. وبينما يراهما أنصارهما رمزَين للاستقلال ومقاومة النفوذ الغربي، ينتقد معارضوهما ما يعتبرونه تركيزاً للسلطة وقمعاً للحريات السياسية والاجتماعية في عهديهما.

ومن المتوقع أن تنظّم السلطات الإيرانية جنازة واسعة لخامنئي، وسط إجراءات أمنية مشددة.

وتضيف طريقة مقتله بُعداً رمزياً إلى مراسم التشييع في الخطاب الرسمي الإيراني، إذ تستخدم السلطات ومؤيدوه وصف "الشهيد"، وهي صفة ذات حضور بارز في الأدبيات السياسية والدينية للجمهورية الإسلامية.