إيران تتحدث عن ترتيبات "اقتصادية وأمنية" جديدة في المنطقة وسط تهديد ترامب بـ"إنزال اقتصادي"

امرأة إيرانية تسير بجانب جهاز صراف آلي في أحد شوارع وسط طهران، إيران، في 13 أغسطس/آب 2026.

صدر الصورة، EPA/Shutterstock

التعليق على الصورة، امرأة إيرانية تسير بجانب جهاز صراف آلي في أحد شوارع وسط طهران، إيران، في 13 أغسطس/آب 2026.
Published
مدة القراءة: 7 دقائق

قال رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إن طهران تلقت رسائل من دول مجاورة بشأن بلورة ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة في المنطقة، معتبراً أن الولايات المتحدة عرّضت أمن حلفائها للخطر "من أجل إسرائيل".

وكتب قاليباف، في منشور باللغة الإنجليزية على منصة إكس في 22 أغسطس/آب، أن واشنطن "عرّضت أمن كل واحد من حلفائها لخطر بالغ، بسبب التنمّر والتجاهل التام لمصالحهم من أجل إسرائيل، حتى إنهم شعروا، لفترة وجيزة، بأن وجودهم بأكمله بات على المحك".

وأضاف أن "نظاماً مستقلاً ونابعاً من المنطقة هو ما سيحقق السلام والأمن فعلياً".

وتأتي تصريحات قاليباف بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور على منصة تروث سوشيال في 19 أغسطس/آب، عن حملة اقتصادية ضد إيران وصفها بأنها "أشد عملية اقتصادية ساحقة تُتخذ على الإطلاق ضد أي دولة"، وأطلق عليها اسم "يوم الإنزال الاقتصادي". في المقابل، قلّل مسؤولون ووسائل إعلام إيرانية من تأثير الإجراءات المرتقبة، معتبرين أنها لن تحقق أهدافها.

وكان مسؤولون إيرانيون قد قالوا مراراً إن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ولا سيما الدول التي تستضيف قواعد أمريكية، تكبدوا أضراراً أكبر خلال الصراع الأخير بعدما تعرضت أراضي بعضها لهجمات صاروخية إيرانية.

ويأتي هذا التصعيد في وقت لا تزال فيه شحنات النفط عبر مضيق هرمز شبه متوقفة، بينما تحتفظ طهران بقدرتها على تعطيل الملاحة في الممر الاستراتيجي، في مقابل مساعٍ أمريكية لتشديد الضغط الاقتصادي عليها.

المزيد من العقوبات

وتبادلت واشنطن وطهران، السبت، رسائل متشددة قبل إعلان الولايات المتحدة نيتها فرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران، قد تطال أبرز شركائها التجاريين، وفي مقدمتهم الصين.

ويأتي التصعيد في اللهجة بينما لا تزال شحنات النفط عبر مضيق هرمز شبه متوقفة، وتحتفظ طهران بقدرتها على تعطيل الملاحة في الممر الاستراتيجي، فيما تسعى واشنطن إلى زيادة الضغط الاقتصادي عليها.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

ومن المقرر أن يكشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الاثنين، تفاصيل إجراءات وصفها بأنها ستكون "أقسى العقوبات في التاريخ" على إيران، بحسب وكالة رويترز.

وتشكل الصين محوراً رئيسياً في استراتيجية الضغط الأمريكية، إذ اشترت أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المشحون خلال عام 2025، وفق بيانات شركة كبلر لتحليل أسواق الطاقة نقلتها رويترز.

ورفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي العقوبات المرتقبة، ووصفها في منشور على منصة إكس بأنها محاولة لفرض "سيادة خارج الحدود" على الدول المستقلة، معتبراً أن العقوبات الثانوية لا تستند إلى أساس في القانون الدولي، بحسب رويترز.

وفي تطور آخر، أعلنت إيران إحراز تقدم في إصلاح مصفاة الغاز التابعة للمرحلة 14 من حقل بارس الجنوبي، التي تضررت في هجوم إسرائيلي في يونيو/حزيران من العام الماضي.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة بارس للنفط والغاز تورج دهقاني، بحسب وكالة "شانا" التابعة لوزارة النفط الإيرانية، إن أعمال إصلاح المصفاة أُنجزت بنسبة 70 في المئة.

وأضاف أن المصفاة سترمم بالكامل بحلول نهاية العام، على أن يُعاد دمج الجزء المتضرر بصورة كاملة في دورة الإنتاج.

أزمة الطيارين الإيرانيين

وتصاعد الخلاف بين إيران وقطر بشأن مصير طيارين إيرانيين، بعدما طالبت طهران، السبت، بنقل من تقول إنهم محتجزون لدى الدوحة إلى مستشفى على اليابسة، مشيرة إلى أن حالتهم الصحية سيئة وأن مكان احتجازهم غير مناسب.

ونقلت وكالة تسنيم عن محمد باقر زاده، المسؤول في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، دعوته اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى إرسال طائرة إسعاف إلى قطر لتسريع إعادة المصابين والمرضى منهم إلى إيران.

وتنفي قطر احتجاز أي طيارين إيرانيين، وتقول إن فرق البحث والإنقاذ التابعة لها عثرت على رفات أحد الطيارين وسلمتها إلى طهران. كما أكدت أنها دعت فريقاً إيرانياً للاطلاع على تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ، فيما تتمسك إيران بروايتها بأن طيارين آخرين ما زالوا أحياء ومحتجزين في قطر.

بزشكيان يدعو لحلّ دبلوماسي

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قال الجمعة إن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، لكنها، في رأيه، "ليست مستعدة لإبرام الاتفاق المناسب"، مضيفاً أن واشنطن تراقب تطورات الصراع.

من جانبه، توعد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء علي عبد اللهي، بالرد على أي تهديدات جديدة بردود "ساحقة وعقابية ومدمرة"، وفق وسائل إعلام إيرانية نقلت عنها رويترز.

في المقابل، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب عبر حل دبلوماسي، قائلاً، وفق وكالة إيسنا الإيرانية، إن من الأفضل إنهاؤها "اليوم" فيما لا تزال إيران، بحسب تعبيره، في "موقع قوة وكرامة".

وأقر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال حديث إلى رجال أعمال إيرانيين وعراقيين، بالضغوط الاقتصادية التي تواجهها بلاده، قائلاً إن القوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا عانى السكان من الجوع وتراجع النمو والإنتاج، وفق وكالة إيرنا الرسمية.

وبحسب رويترز، ألحقت العمليات العسكرية الأمريكية أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني وبالقوات البحرية والجوية الإيرانية، لكن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات صاروخية وطائرات مسيرة تسمح لها بتعطيل حركة ناقلات النفط وتهديد خصومها في المنطقة.

كما لم تحقق واشنطن حتى الآن بعض الأهداف الرئيسية التي أعلنها ترامب عند بدء الحرب، ومن بينها تفكيك البرنامج النووي الإيراني، الذي لا تزال حالته غير واضحة في ظل القيود الواسعة المفروضة على وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت النووية الإيرانية منذ عام 2025.

كلفة الحرب تنتقل إلى الداخل الأمريكي

ومع استمرار الجمود، لم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على الشرق الأوسط، إذ بدأت كلفتها الاقتصادية والسياسية تضغط بصورة أكبر على ترامب في الداخل الأمريكي، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني.

وأدى ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية، إلى زيادة المخاوف السياسية داخل الحزب الجمهوري.

وأظهر أحدث استطلاع أجرته رويترز/إبسوس أن نسبة التأييد لأداء ترامب تراجعت إلى 33 في المئة، وهو أدنى مستوى تسجله خلال ولايته الحالية.

ويأتي ذلك قبل دخول الحملات الانتخابية مرحلة أكثف بعد عيد العمال في السابع من سبتمبر/أيلول، وسط مخاوف من أن تنعكس النزاعات الخارجية غير المحسومة وتداعياتها الاقتصادية على فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس.

وكان ترامب قد عاد إلى البيت الأبيض العام الماضي مقدماً نفسه باعتباره "صانع سلام"، وجعل إنهاء النزاعات الدولية إحدى ركائز ولايته الثانية.

لكن الحرب مع إيران، إلى جانب تعثر مساعي التسوية في غزة وأوكرانيا، باتت تختبر هذه الصورة.

وقال حليف لترامب لوكالة رويترز، طالباً عدم الكشف عن هويته، إن الصراع مع إيران يلقي بثقل "شديد" على الرئيس، وإنه لا يوجد حتى الآن توافق داخل البيت الأبيض بشأن كيفية إنهائه.

وقد تتفاقم الضغوط إذا خلص المستثمرون إلى أن الحرب ستستمر فترة أطول، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة وتضييق هامش ترامب في تنفيذ أجندته الاقتصادية الداخلية.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي لرويترز إن إدارة ترامب أنهت عدداً من الحروب وساهمت في الإفراج عن رهائن من غزة وأبرمت اتفاقات تجارية، مؤكدة أن إيران ستُمنع من امتلاك سلاح نووي.

وقال مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية للوكالة إن العقوبات والحصار البحري أضعفا الاقتصاد الإيراني، مضيفاً أن لدى ترامب "العديد من أدوات الضغط" التي يمكنه تشديد استخدامها خلال الأسابيع المقبلة.

بحارة في البحرية الأمريكية على سطح حاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" أثناء عبورها بحر العرب لدعم العمليات العسكرية الأمريكية في الحرب مع إيران، في 20 أغسطس/آب 2026.

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، بحارة في البحرية الأمريكية على سطح حاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" أثناء عبورها بحر العرب لدعم العمليات العسكرية الأمريكية في الحرب مع إيران، في 20 أغسطس/آب 2026.

جهود سلام متعثرة

ويستمر التعثر في أجندة ترامب الخارجية على جبهات أخرى، إذ غادر جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي وأحد مبعوثيه، محادثات بشأن غزة من دون تحقيق اختراق يسمح بدفع خطة السلام الأمريكية إلى الأمام.

ولا تزال إسرائيل وحماس تختلفان بشأن الشروط الضرورية للانتقال إلى المراحل التالية من الخطة التي صاغها ترامب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فيما يخشى الوسطاء من أن تؤدي العمليات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة في القطاع إلى تقويض جهود التوصل إلى تسوية.

أما في أوكرانيا، فلم تتم حتى الآن زيارة كانت متوقعة إلى كييف، كان من المقرر أن يقوم بها كوشنر والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في محاولة لإحياء المفاوضات المتوقفة لإنهاء الحرب الروسية.

وكان ترامب قد نجح في جمع أطراف الحرب إلى طاولة التفاوض، لكن الصراع، وهو الأطول في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، لا يزال بعيداً عن نهايته.

وقتل 17 شخصاً في كييف والمنطقة المحيطة بها في ضربات روسية الخميس، وفق أحدث حصيلة أوردتها رويترز.

وفي لبنان، قتلت غارات إسرائيلية 11 شخصاً على الأقل في جنوب البلاد السبت 15 أغسطس/آب، رغم استمرار إطار للتهدئة بين لبنان وإسرائيل جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية، بحسب رويترز.

ويرى بعض الخبراء أن ترامب أظهر استعداداً للتعامل مع نزاعات معقدة لم يتمكن رؤساء أمريكيون آخرون من حلها.

وقال نيك سنايدر، الباحث البارز في معهد هدسون، لرويترز إن ترامب يسعى إلى عالم أكثر استقراراً عبر محاولة حل النزاعات، سواء أكانت حروباً مثل الحرب في أوكرانيا أم خلافات اقتصادية وتجارية، مشيراً أيضاً إلى مساعيه للتوسط في نزاعات بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وبين تايلاند وكمبوديا.

لكن ترامب قلب الكثير من القواعد التقليدية للدبلوماسية الأمريكية، واعتمد بصورة كبيرة على القوة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة لإجبار الخصوم، وأحياناً الحلفاء، على تقديم تنازلات، وهو نهج حقق نتائج متفاوتة.

وقالت أصلي أيدينتاشباش، الباحثة في معهد بروكينغز في واشنطن، لرويترز إن ترامب نجح في تحدي التوافق التقليدي بشأن السياسة الخارجية في واشنطن، لكنه لم يحول هذا التغيير إلى استراتيجية تقدم نتائج ملموسة للأمريكيين.

ويرى منتقدو هذا النهج أن إيران تمثل الاختبار الأوضح لحدوده؛ إذ تعرضت طهران لأشهر من الضغط العسكري والاقتصادي، لكنها لم تقدم حتى الآن التنازلات الرئيسية التي تطالب بها واشنطن.

وقال ستيفن ويرثيم، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، لرويترز إن ترامب يعتمد بدرجة كبيرة على الإكراه، وأحياناً على المجاملة، لدفع الآخرين إلى القبول بشروطه، لكنه لا يأخذ بالقدر نفسه أهداف خصومه الاستراتيجية وحساباتهم السياسية الداخلية في الاعتبار.

ويكتسب تعثر هذه الملفات أهمية أكبر مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، إذ قد يؤدي فقدان الجمهوريين السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما إلى تقليص قدرة ترامب على تنفيذ أجندته خلال العامين الأخيرين من ولايته.

ويرى محللون أن خصوم واشنطن يدركون أيضاً ضيق الوقت السياسي المتاح أمام الرئيس الأمريكي، وقد يجدون مصلحة في إطالة أمد المفاوضات بدلاً من تقديم تنازلات سريعة.

وقالت أيدينتاشباش إن خصوم الولايات المتحدة يدركون أن "الساعة السياسية" لترامب أقصر من ساعتهم، وإن واشنطن، رغم قدرتها على ممارسة ضغوط هائلة، قد تفقد صبرها في نهاية المطاف.